كانوا بصدد النقد لسياسات عمر بن الخطاب ، وأنّ الراوي اخترع هذه القصّة ليبرّأ ساحة الخليفة الثاني أمام العلويين .
6 - إنّ مجموعة النصوص التاريخية والحديثية هذه تتحدّث عن ملابسات خاصّة رافقت إجلاء عمر بن الخطاب لليهود من بعض المناطق ، وليس فيها عين ولا أثر لفكرة وجود أمر إلهي نبوي أبدي بذلك قام عمر بتنفيذه ، فلو كان هذا الأمر موجوداً لظهر أثناء هذه الأحداث وقبيل اتخاذ الخليفة قرار الإجلاء من هنا أو هناك . بل هذه النصوص توحي - حتى لو وضعت - بأنّ جدلًا أحاط خطوة الخليفة ، وأنّ عملية الوضع هذه جاءت لتبرّر قرار الخليفة الثاني ، فلو كان النصّ الإلهي معروفاً في تلك الفترة لتناوله الوضّاع وأقحموه في هذه النصوص التاريخية التي تحدّثت عن الإجلاء ، ودافعوا به عن الخليفة الثاني .
ويجب أن لا نغفل عن أنّ كلّ ما تقدّم كان بملاحظة الرواية بصيغة ( اليهود والنصارى ) ، لا بالصيغة الأولى التي ورد فيها الحديث عن ( المشركين ) ، فإنها سليمة عن هذه الإشكالات كلّها .
وإذا غضضنا الطرف عما تقدّم ، فإنّ هذه الرواية - سواء وردت بلفظ ( المشركين ) أم ( اليهود والنصارى ) - لا تبيّن حكماً إلهياً ؛ إذ غاية ما فيها أنّ النبي صلى الله عليه وآله يخبرنا أنّه إذا سنحت له الظروف سوف يُخرج المشركين وأهل الكتاب من الجزيرة ، وهذا المعطى أعمّ من أن يكون قراراً إلهياً إلزامياً أو يكون قراراً نبوياً زمنياً بذلك استدعته ملابسات وظروف تلك الفترة ، فلو تعاطينا مع النبي على أنّ لديه نوعين من القرارات ، فهذا النصّ بهذه الصيغة لن يؤكّد أيّاً من النوعين ؛ ولهذا يؤخذ بالقدر المتيقن ، وهو تاريخية الحكم .
ونشير هنا أيضاً إلى أنّ قرار إجلاء النبي يهودَ المدينة إلى خارجها - وليس إلى
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 347
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٤٧