ويلاحظ هنا تعرّض بعض علماء أهل السنّة للإجلاء الذي قام به النبي صلى الله عليه وآله في حقّ يهود المدينة من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة « 1 » .
وهذا الوضع يفتح على فرضيّة أساسية ، وهي أنّ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لعلّه هو الذي اتخذ قرار إجلاء أهل الأديان الأخرى عن الجزيرة العربية ، نتيجة اجتهادٍ منه أو قراءة ميدانية أو غير ذلك ، ثم لمّا جاءت الأجيال اللاحقة ، سعت لتبرير هذا الأمر عند ظهور إشكالية عدم التناسب بين فعله وما كانت الحال عليه أيام الرسول صلى الله عليه وآله ، فنسبت مقولة عدم اجتماع دينين إلى النبي ، ونُسب الأمر بإخراج اليهود والنصارى إليه أيضاً .
ويعزّز ما نقول ما رواه ابن أبي شيبة الكوفي بسنده إلى ابن عمر ، عن أبيه عمر بن الخطاب أنه قال : لا يتركوا اليهود والنصارى بالمدينة فوق ثلاث قدر ما يبيعوا سلعتهم ، وقال : لا يجتمع دينان في جزيرة العرب « 2 » .
هذا يعني أن قرار إخراج أهل الكتاب كان قراراً من الخليفة الثاني ، وها هو النصّ عينه يُنقل عنه ، وإنما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وآله بعد ذلك ربما إجابةً عن اعتراض معترض هنا أو هناك ، ولا يهمّنا هنا تصويب فعل الخليفة أو تخطئته ، بقدر ما يعنينا اكتشاف أنّ الحكم ليس إلهياً ثابتاً ، وإنما هو حكم حكومي من خليفة المسلمين لمصالح وقتية رآها .
والذي يؤكّد ما نقول أيضاً ، طريقة تعبير الراوي بأنّ عمر بن الخطاب فحص حتى أتاه الثلج واليقين ، فهذا النوع من التعبير يستبطن - فيما أظن - رغبةً من الراوي في إضفاء طابع السكينة على الخطوة التي قام بها الخليفة الثاني ، وإلا فلماذا
هامش
( 1 ) انظر : البيهقي ، السنن الكبرى 9 : 208 .
( 2 ) المصنّف 7 : 635 .