لم يعد هناك شيء ناقص في الدين ، وأنّ حجّة الوداع قد أعلن فيها النبي أنه ما من شيء يقرّب إلى الجنة ويبعّد عن النار إلا وقاله ، إذاً فلم تعد هناك أشياء ناقصة في أصل الدين ، من هنا تحمل النصوص النبوية التي أعقبت هذا الأمر ، إما على تكرار ما كان قاله النبي من قبل ، أو على بيان حكم حكومي ولائي غير الأحكام الإلهية الثابتة .
وهنا يقال : إذا ثبت أنّ مسألة إخراج المشركين من جزيرة العرب قد صدرت من النبي قبل ذلك ، كان بيانه هنا تكراراً للحكم الإلهي ، ويتمّ الاستدلال ، أما إذا لم يثبت ذلك ، فيحتمل جداً أن يكون بياناً لحكم حكومي بيّنه النبي ليفعلوه لمصالح زمنية تستدعي تطهير الجزيرة العربية تماماً من الشرك لتكون خاليةً تماماً من الوجود غير الإسلامي ، ريما حمايةً لانطلاقة الوجود الإسلامي بعد ذلك في الفتوحات أو غيرها .
ولعلّ ما يعزز هذا الأمر أنّ الموردين الآخرين اللذين ذكرهما النبي فيهما روح الحكم التاريخي ؛ فإنّ إنفاذ جيش أسامة ليس حكماً إلهياً ثابتاً وإنما هو حكم مرحلي خاصّ بزمن النبي ، وإجازة الوفد كما كان يجيزهم - بمعنى إكرامهم وإنزالهم - ليس حكماً خاصاً بالوفود الآتية ؛ لأنّ عنوانه عام ، وإنما هو مصداق لوجوب الإكرام أو لنهج التعامل مع المؤلّفة قلوبهم أو نحو ذلك ، فليس هناك تأسيس حكم جديد هنا أيضاً .
وقد بحثنا في محلّه « 1 » من قبل وتوصّلنا إلى أنّ موارد الشك في تاريخية الحكم لا أصل فيها يثبت التاريخية أو عدمها ، فيرجع إلى القدر المتيقن ، ولا يقين هنا بشمول الحكم لغير ذلك الزمان .
هامش
( 1 ) حيدر حب الله ، حجية السنّة في الفكر الإسلامي ، قراءة وتقويم : 663 - 740 .