وهذا أنسب بطبيعة المورد ، إلا إذا قصد الاحتمال القادم .
وبناءً عليه ، فهذا الإشكال الذي ذكره بعضهم غير دقيق ، بل المسألة مبنيّة على الصور التي عرضناها في تحليل النصّ ، ولعلّنا نجد بعض الإشارات في كلمات المستشكل نفسه .
ثانياً : إنّ المفهوم من هذه الأحاديث - بمناسبات الحكم والموضوع - هو أنّ النهي عن سفر المرأة ليومٍ وليلة كان لما في هذا السفر من المؤونة والكُلفة التي تستدعي رفيقاً مناسباً يساعد الضعيف - مثل المرأة - على أعباء السفر ، ومن هنا لم يشترط المحرم في السفر القصير ، مثل مسيرة ساعة ؛ لأنّ هذا السفر القصير لا يستلزم سوى إعانتها في الركوب والنزول في المبدأ والمقصد دون وسط الطريق . وهذا كلّه يرشدنا إلى أنّ نكتة النهي هي ملازمات هذا السفر بدون محرم من الاتصال بالأجانب . ومن هنا يمكن القول بأنّ أسفار ذلك الزمان كانت تلازمها مثل هذه الأمور بخلاف الحال في مثل عصرنا ، حيث إنّ سفر المرأة لا يستدعي من يُركبها ويُنزلها أو غير ذلك من أشكال الإعانة « 1 » .
وهذه الملاحظة فيها حسٌ تاريخي جيّد ، بيد أنها تفتقر إلى المزيد من عناصر الإثبات التاريخي ؛ وذلك أنّ صورة السفر التي قدّمت لا تستدعي تحريماً للسفر بلا محرم آنذاك ، فإنّ صعود المرأة وركوبها على الإبل كان أمراً ممكناً حتى من دون حاجة إلى مساعدة الرجل بما يفضي إلى اللمس ، فقد ذكر الإمام الأوزاعي فيما نقل عنه أنه رخّص في السفر بلا محرم وقال : تخرج مع قومٍ عدول تتخذ سلّماً تصعد عليه وتنزل ، ولا يقربها رجلٌ ، إلا أنه يأخذ رأس البعير وتضع رجلها على
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : 63 - 64 .