وهذا الكلام لو تمّ أوجب على الزوج حبس الزوجة ، وحرّم على الزوجة الخروج من منزل زوجها أبداً .
لكنّ الاستدلال بأحكام المطلّقة هنا بعيدٌ جداً ، فلا تؤخذ في ذاتها ولا بوصفها مصحّحاً للنصوص المتقدّمة ؛ وذلك :
أولًا : إنه من المحتمل جدّاً أنّ الحكم خاصٌّ بالمطلّقة ؛ وذلك أنّ الهدف هو بقاءها في البيت لعلّه يحصل بذلك تآلفُ القلوب عندما تظلّ تحت ناظري زوجها فيعيدها إلى عش الزوجية ، ولا يحرز أنّ الخصوصية هنا منتفية بعد تعلّق مجمل الأحكام والخطابات في الآية وما بعدها من سورة الطلاق بأحكام المطلقات ، بل لعلّ في الآية الكريمة شاهداً على ما ندّعي ، وهو ذيلها :
( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً )
، إذ قد يكون ذلك شاهداً على أنّ هذا الذي حكمناه من تشريع العدّة وعدم الخروج والإخراج منفتحٌ على احتمال أنّ الله يحدث بعد ذلك أمراً فتعود العلاقة الزوجية إلى مجاريها الطبيعية ، وهذا الفهم لذيل الآية وجدنا الكثير ممّن مال إليه أيضاً من المفسرين « 1 » ، بما يشهد على ما نقول ويؤيّد .
ثانياً : لو كانت هذه الآية دالّةً على هذا الأمر ، لحدث تحوّل جذري في نظام الحياة الاجتماعية العامة في المجتمع الإسلامي في العصر النبوي ؛ لأنّ هذا معناه حبس الزوجات وانحباسهنّ في البيوت ، فكيف تفسّر ظاهرة خروج النساء في العصر النبوي ، بل مع النبي نفسه أيضاً وبكثرة دون أن نسمع أسئلة واستفهامات حول هذا الموضوع حتى في العصور اللاحقة في زمن الصحابة وأهل البيت ؟ !
ثالثاً : لا ربط لهذه الآية وأحكام المطلّقة بمسألة إذن الزوج التي نتعرّض لها هنا ؛
هامش
( 1 ) راجع - على سبيل المثال - : الطبرسي ، مجمع البيان 10 : 40 ؛ والطباطبائي ، الميزان 19 : 314 ؛ والطبري ، جامع البيان 28 : 172 - 173 ؛ والرازي ، التفسير الكبير 30 : 33 .