تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
والتعديل ، ومن ثم يكون حجةً ومعتبراً في تحريم الخلوة بالأجنبية ، وليس فيه تقييد مصرّح به بخوف الفتنة . إلا أنه يجب تحديد معنى الخلوة بالأجنبية ، فإنّ ظاهر الحديث هو الوحدة في الرجل والمرأة مما هو مظنّة الفساد ، فلو كان هناك رجلٌ مع نساء ، أو كانوا في مكان غير مغلق ، أو في زوايةٍ من الطريق ، أو غير ذلك ، فلا يحرز أنه مشمول لعنوان لا يخلون رجل بامرأة ؛ لأنّ هذا التعبير يراد به - كما يظهر أيضاً من ترتيب أحكام النكاح لمن خلى بالمعقود عليها - الخلوة التي يتمكّن معها من المقاربة لو أرادها تمكّناً عرفياً وعقلياً وعادياً ، فلو ألقى رجل محاضرةً على جمع كبير من النساء ، فلا يقال بأنّه حصلت خلوةٌ هنا ، فيما هو المنصرف من هذا اللفظ في النصوص ، وإن صدق ذلك بمحض اللغة ، وإلا لزم تحريم الخلوة بهنّ بهذه الطريقة حتى لو كانت معه زوجته . والغريب أنّ بعضهم جعل الخلوة بالأجنبية غير مرتفعةٍ لو جاءت امرأة أخرى معها ، ولكنها ترتفع لو جاء رجلٌ آخر « 1 » ، مع أنّه لا فرق بين الاثنين في الأمر ، إن لم يكن الثاني أقرب إلى الخلوة من الأوّل ، وهذا يكشف أنّهم فهموا من الخلوة ما كان فيه مجال تحقّق الفاحشة حيث لا يتوفّر عادةً مع وجود رجلٍ آخر إلا بنيّةٍ مسبقة لارتكاب الفاحشة منهما . من هنا ، فالعبرة بالخلوة ما كان مفضياً - بالإمكان العرفي - إلى الحرام ، لا مطلق الخلوة لغةً ، ولا أقلّ من عدم انعقاد ظهور في ما هو أزيد من ذلك ، ولهذا كان الحرام هو الخلوة لا مطلق الاختلاط ، فلو أنّ مطلق الاختلاط حرامٌ لما وصلت النوبة إلى تحريم الخلوة بالأجنبية .
هامش
( 1 ) ابن عابدين ، حاشية ردّ المحتار 1 : 610 .