الاختلاط فيكون جائزاً إلا مع احتفافه بما لا يؤمن معه الفساد ، وليس هذا الفساد الذي نراه في المجتمع راجعاً بالضرورة إلى أصل ظاهرة الاختلاط ، بل يرجع كثيرٌ منه إلى العناصر الإضافية التي تمارس بعد تحقّق الاختلاط ، والتي تكون في غالبها محرّمةً في نفسها كلباس المرأة وزينتها ونوع الكلام منها ومعها وعدم مراعاة الضوابط الشرعية في ذلك .
إذن ، فتطبيق قواعد سدّ الذرائع وغير ذلك فيه قدرٌ من المبالغة .
ثانياً : قد تقدّم الكلام في آية :
( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ )
، وقلنا بأنّه لا دليل على شمولها لغير زوجات النبي ، بل إنه لا يمكن فهم إطلاقها كما تقدّم مع افتراض أنّ النهي عن التبرّج هو نهي عن مطلق الظهور ، فإنّ ذلك لو وقع لاستدعى الحديث المتكرّر عن خروج النساء من بيوتهنّ ، مع أننا لم نسمع بأسئلة حول هذا الموضوع في القرون الهجرية الأولى ، ولهذا تحدّث الفقهاء عن خروجها بإذن الولي وبدون إذنه ، ولم يتعرّضوا أساساً لمبدأ الخروج مقابل القرار في البيوت ، هذا مضافاً إلى مخالفة ذلك للسيرة بشكل قاطع كما يلاحظ بأدنى مراجعة .
ثالثاً : إنّ آية الجلباب مهما دلّت ، فهي تدلّ على ضرورة مبالغة المرأة في التحفّظ في لبسها كي لا تعرف فلا تؤذى ، وهذا معناه أنها كانت تخرج من بيتها خلافاً لفرض شمول آية القرار في البيوت لعامّة نساء المسلمين ، ولو غضضنا الطرف فإنّ غاية ما تفيد هو ممارسة كلّ ما من شأنه حماية المرأة من الأذى ، فإذا تمكنّا من توفير العمل للمرأة واستطاعت هذه المرأة في علاقاتها أن تحمي نفسها من الأذية - كما شرحنا في التعليق الأوّل آنفاً - إذاً فما هو الموجب لأصل تحريم العمل عليها والاختلاط من رأس ؟ ! فلنقل بجوازه مشروطاً بشروط نستطيع من خلالها ضمان عدم تعرّضها للأذية ضماناً عقلانياً لا عقلياً ، فليس من المنطقي - لو أمكن توفير