بثقلها وبصورة متواصلة ، فخرجت من بين الأنقاض نظرية السيرة التي لاحظ الشهيد - وهي ملاحظة جديرة بالاهتمام - أن فقهاء مرحلة ما قبل الأنصاري لم يكونوا ليستعينوا بمفهومٍ كمفهوم السيرة في حين صارت السيرة في الوضعيات الفقهية ما بعد الأنصاري تشغر حيزاً أساسياً من أكثر الأبحاث الفقهية ، لا سيما غير العبادات .
والسيد الشهيد في دراسته هذه وإن لم يهدف إلى انتقاد الفقهاء في سلوكهم هذا بل قدم له عدة مبرراتٍ خاصّة على مبانيه المعرفية ، غير أنه قرأ الأفكار قراءةً حديثة ، ربما لم يكن لها عين ولا أثر بهذه الصورة في الأبحاث الأصولية .
المحور الرابع : توظيفية علم الأصول
بُعيد المزاوجة التي بدأت منذ عصر الوحيد البهبهاني بين الفلسفة والأصول تأثر الأخير بما يمكن تسميته بالهادفية الفلسفية ، فعلم الفلسفة الكلاسيكية « 1 » علم مستقل ثابت بذاته لا يصّنف كجزءٍ من العلوم الاستطراقية سوى من حيث طبيعة العلاقة بين العلوم التي تجعل من بعضها مستهلكاً لمعطيات البعض الآخر كمبادىء تصديقية وأصول موضوعة ومصادرات قبلية له ، ولم تستطع الفلسفة أن تجد تجسيداً عملياً لذاتها في الواقع الإنساني إلّا من خلال توظيف العلوم الأخرى لنتائجها ، ولهذا بقيت من حيث ذاتها علماً نظرياً تجريديّاً لا يرى نفسه مسؤولًا عن حلّ مشكلةٍ في الواقع مباشرةً أو بالواسطة سوى مشكلة كشف أسرار الوجود العام ، ولهذا كان موضوع الفلسفة « الموجود بما هو موجود » وغايتها مجرد معرفته كذلك ، لا بما هو مؤثر وفاعل ومنتج ، وقد أضفت هذه الطبيعة الخاصة على
هامش
( 1 ) حينما نتحدث هنا عن علاقة الأصول بالفلسفة ، فالمقصود الفلسفة الإسلامية .