توظيف مهم للتاريخ الأصولي في تدعيم وجهات نظر أصولية داخلية ، ربما لو وسعنا من نطاق استخدامه لتكشفت أمامنا حقائق جديدة .
النموذج الثالث : دراسته للمكوّنات التاريخية ، العلمية ، النفسية لتبلور فكرة السيرة في علم الأصول « 1 » ، فقد لاحظ أن الفقهاء باصطدامهم أحياناً بأدلةٍ قد تؤدي بهم إلى الالتزام بنتائج مستغربة يتمسكون بما يسمّونه بالمسلّمات أو لزوم تأسيس فقه جديد وغير ذلك من العبارات ، وفي الحقيقة فإن هذه الأدلة التي يستبعدون بها إفتاءاتٍ معينةٍ ناجمة عن حالة نفسية لدى الفقيه تمنعه من الخروج بنتائج مستهجنة في الوسط الفقهي ، وقد تم التنظير أصولياً لتغطية هذه الحالة بمجموعة مباني أصولية كمبنى الشهرة الفتوائية والإجماع لاسيّما المنقول وجبر الخبر الضعيف بعمل الأصحاب أو وهنه صحيحاً بإعراضهم . . . فقد كان الفقيه محتمياً بمثل هذه المباني لسدّ هذه الثغرة النفسية المقلقة ، إلّا أن مجيء المتأخرين - وعلى رأسهم الشيخ الأنصاري - قلب المعادلة ، إذ أُطيح بجملةٍ هامة من هذه المباني لا سيما الإجماع المنقول ، واستمر الوضع إلى أن جاء السيد الخوئي ففنّد نظريتي الانجبار والوهن .
لكن الفقه لم يتأثّر في البداية بهذا التعديل الأصولي ، فظهرت مفارقات عدة بين سلوك الفقيه كفقيهٍ وسلوكه كأصولي ، فهو ينكر شيئاً في الأصول غير أنه يتعبّده في الفقه وما ذلك إلّا لحالة التحرّج النفسية هذه ، والتي يبررها الشهيد بجملة مبررات ، وتصاعد الأمر إلى أن اتجه السيد الخوئي ناحية إلغاء هذه الازدواجية فطبق في الفقه كثيراً مما آمن به في الأصول .
بيد أن انسحاب هذه المباني وتراجعها لم يحُل دون إلقاء الحالة النفسية للفقيه
هامش
( 1 ) مباحث الأصول ، 2 : 93 - 97 و 131 - 134 .