( مع الأخذ به وبقطع النظر عن مديات صحته ) يكشف عن صعوبة وصول فلسفة الأحكام إلا قليلًا إلى درجة التدخّل في تكوين الفتوى الشرعية ، ولذلك يقول المطهري بأن الاجتهاد غير المختمر هو ذاك الاجتهاد الذي يكتشف علةً ما نافياً بمجرّد ذلك ما عداها « 1 » .
من جانبٍ آخر ، واجهت جهود العلماء - ومنهم المطهري - على صعيد فلسفة الأحكام إشكالية ثانية ، تبدّت في الاختبارات الميدانية التي واجهتها بعض نظرياتهم العقلانية ، فجهود البنك اللاربوي والنظريات الثرّة التي عرِضت على هذا الصعيد مثلًا لتدافع عن البنك الإسلامي ، واجهت تحديات ميدانية في أكثر من بلد ، اكتشفت خلالها أن الصيغة التي قُدِّمت عن أحكام الربا والبنوك ( أي فلسفة الأحكام وصورتها النظرية العقلانية ) شكَّلت بداية أوّلية فقط ، كشفت عن أن أصحابها أثاروا أفكارهم أحياناً كثيرة ، بعيداً عن تجربة حيّة ؛ لأن تجربة تطبيق الشريعة الإسلامية كانت مفقودةً تقريباً . وقد أدّى ذلك إلى شيء من ضمور القوّة الإقناعية الموجودة في هذه الفلسفات ؛ لأن إشكاليات الواقع كانت أقوى أحياناً من الصورة الجميلة التي قدمتها النظريات .
وفحوى هذا الكلام ، هو أنّ جماع تحدّيات الواقع ، وتحوّلات الثقافة التي أعقبت انهيار المعسكر الاشتراكي ، وحالات الإحباط الشديد التي سيطرت على قطاعات واسعة من المجتمع الإسلامي عقب حرب الخليج الثانية ، يَفْرِض على الباحث المعاصر - الهادف لخوض معترك فلسفة الأحكام والتنظير لها - إعادة إنتاج أرضيات بحثه ، وآلياته ، وأدواته ، واكتشاف مخاطبيه من جديد ، وتفهّم المشكلة
هامش
( 1 ) المصدر نفسه 21 : 74 .