وفي القرن العشرين ، لا سيما النصف الثاني منه ، وبالأخص من الخمسينيّات وحتى أواسط الثمانينيّات ، بُذلت جهودٌ جبارة من جانب العلماء والمفكرين المسلمين سارت على خطين :
الخط الأول : تمثل في إعادة صياغة منظومة التشريع الإسلامي صياغة حديثة ، قادرة على المخاطبة والفعل في العقول الجديدة المتأثرة بمنطق الحداثة المفرط العقلانية ، فقد حاول جماعة إعادة تقديم الفقه الإسلامي ، وكذلك الأصول ، والفلسفة . . . بصورة جديدة ، محافظين إلى حد بعيد على المضامين السابقة ، أي إنه أريد كتابة « العروة الوثقى » نفسها لكن بلغةٍ جديدة في « الفتاوى الواضحة » ، وتدوين « الشرائع والمكاسب والروضة » عينها لكن بلغة معاصرة في « فقه الإمام جعفر الصادق » للشيخ محمد جواد مغنية . . . ولم تكن التغييرات المضمونية هدفاً أساسياً ، كما لم تأخذ حيزاً كبيراً من اهتمامات الباحثين أنفسهم نسبةً للاهتمامات التي أولوها لإعادة انتاج لغوي للنصوص العلمية القديمة .
ولا يعني هذا الكلام ، عدم وجود ابتكارات على مستوى المحتوى في جهود العلماء والمفكرين المسلمين ، بقدر ما يعني أن هذا ( إعادة إنتاج لغوي صياغي ) كان حاجةً أكبر بالنسبة إليهم ؛ ذلك أن الموروث الهائل الذي حجبته لغته عن الوصول إلى الناس ، كان يراد إيجاد علاقة تجسير تمنحه فرصة النفوذ إلى الساحة المعاصرة ، إذ لم يُخَبر هذا الموروث بعد على أرض الواقع ( الحديث ) ، فقد كانت الحركات الإسلامية في بداياتها ، كما ولم تكن الثورة الإسلامية في إيران قد انتصرت بعد ، وهكذا كان ينظر لهذا الموروث بوصفه دعامة بالغة الأهمية لإنجاح مشاريع التغيير وكانت العقبة هي اللغة . ومن هنا ، كان العنصر اللغوي أساسياً وبالغ الأهمية .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 125
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٢٥