علم أصول الفقه « 1 » ، ولعل بدايات ظهور أفكار من هذا النوع ترجع إلى مرحلة الخلاف الشيعي السني زمن المعصومين عليهم السلام حول مسألة القياس ، فقد طرح الفقه الشيعي هناك - ممثلًا أحياناً بعلم الكلام - طرح الجهل بالملاك ، ليثير زوبعةً من الانتقادات على القياس الحنفي تضعه في خانة الظن غير الحجة .
ولا يعنينا هنا ، الخوض في محاكمة هذا الموضوع ، بيد أن القراءة التاريخية للعصر الحديث تدفع إلى الاعتقاد الراسخ بأن العقل الحداثي الذي ولد في الغرب لم يعد ليؤمن بإدارة المجتمع إدارة غيبية ؛ أي عن طريق أحكام وأدوات غير مفهومة للعقل البشري ، وإنما تقع في طور فوق طوره على حد تعبير بعض العرفاء والفلاسفة ، وهذا هو ما كوّن العقلانية العلمانية في الغرب « 2 » .
وقد أثارت موجة الحداثة التي عصفت بالعالم الإسلامي ، تساؤلات كثيرة ، مُحدِثة تحوّلًا في طبيعة التعامل مع التشريع الإسلامي ، إذ ظهرت تساؤلات تستفهم عن أحكام بدت من جديد غير مفهومة ، كما أثرت انتقادات المستشرقين للإسلام وتشريعاته ، سواء منها الانتقادات الصافية النوايا أم تلك المشكوكة ، أثرت في المسلمين وعلماء الإسلام أنفسهم دافعةً بهم - منذ بدايات القرن العشرين - لتقديم ردود تخلع على التشريع الإسلامي سمة المنطقية والعدالة .
هامش
( 1 ) ثمة صيغة مشروحة لهذا الأمر ، ذكرها الشيخ محمد رضا المظفّر في : أصول الفقه ، ط 2 ، ج 2 ، ص ص 170 - 174 ، نشر مكتب الإعلام الإسلامي ، إيران ، 1415 ه - .
( 2 ) انظر بهذا الصدد الدكتور عبد الكريم سروش في كتابه : بسط تجربه نبوي ( بسط التجربة النبوية ) ، ط 2 ، نشر مؤسسة فرهنكي صراط ، إيران ، ط 2 ، 1999 م ، مقالة « راز وراز داني » ، سيما الصفحات 355 - 374 ، وقد جاءت خلاصة مترجمة لرؤيته هذه في كتاب الدولة الدينية ، للشيخ أحمد الواعظي ، ط 1 ، ترجمة حيدر حب الله ، نشر دار الغدير ، بيروت ، 2002 م ، ص 110 - 112 .