وهناك مؤشرات في كلمات المطهري تجعلنا نعتقد - ولو بعض الشيء - بأنّه كان ميّالًا لثقافة من هذا النوع لكن لا على إطلاقها ، فهو من جهة يعتقد إلى درجةٍ بغموض الأسرار التشريعية كما سيظهر ، ومن جهة أخرى يعتمد العقل بشكله المنفتح أساساً في الاستنباط ، كما ومن جهة ثالثة يوافق - ولو مبدئياً - على تاريخانية بعض النصوص التشريعية بمعنى من المعاني ، كما ألمحنا له وسنوضح الآن .
ففي قراءته لموضوع « السبق والرماية » يتجاوز المطهري شكل الحكم القائم على جواز اللعب ولو عن رهان في السهام و . . . مما يعدّ من أدوات الحرب آنذاك ، ليلجأ إلى المعطى القرآني العام ،
( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ )
( الأنفال : 60 ) فيلغي الشكل الزمني للإعداد والاستعداد ، مسرياً السبق والرماية إلى عموم أدوات الحرب ووسائل القوّة عند المسلمين دون جمودٍ على الخف أو النصل أو الحافر كما جاء في بعض الروايات « 1 » .
وعن الطريق نفسه يفهم المطهري قول النبي صلى الله عليه وآله : « غيّروا الشيب » « 2 » انطلاقاً من كلامٍ لعليّ عليه السلام يشرح فيه ظروف صدور النص المذكور ، وأن تغيير الشيب كان يراد منه - زمن قلّة المسلمين - الحيلولة دون إحساس المقاتلين بأنهم مجموعة من الشيبة الضعاف ، الأمر الذي يترك آثاراً نفسية سلبية على جيش المسلمين ، ومن ثم لا يعود حكم تغيير الشيب سارياً زمنياً في غير ظروف كهذه « 3 » .
وفي أنموذج بالغ الأهمية من الزاوية الاستنباطية ، إدخال المطهري العنصر
هامش
( 1 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ، إيران ، الطبعة الثانية ، 1414 ه - ، ج 11 : 493 ، ح 2 ( 15351 ) .
( 2 ) المصدر نفسه ، ج 2 : 84 ، والمغني لعبد الله بن قدامة ، نشر دار الكتاب العربي ، بيروت ، ج 1 : 75 .
( 3 ) المجموعة الكاملة 21 : 162 - 163 ، الإسلام ومتطلبات العصر ، وانظر محاضرته تحت عنوان « القانون الإسلامي وأشكال التنمية والتحوّل في العالم المعاصر » ، 21 : 487 .