لهذا الانتاج الحيوي لمفهوم الاجتهاد أن يتقبل الإقصاء الإخباري لهذه العملية ، كما لا يمكنه أن يوافق - لا أقل عملانياً - على افتراض اتصال مباشر يقع الفرد أحد أطرافه والمعصوم هو الطرف الثاني ؛ لأن هذه الصيغة صيغة تشتمل نوعاً من التسطيح والتبسيط الزائد للأمور .
لكن ، وحتى يرفع المطهري النابض بالروح الفلسفية شبح المجتمع المسخّر المُقاد بيد جماعة من الناس ، حاول - ولو بصيغة أولية - إعادة صياغة مفهوم التقليد من خلال سلب الإثقال التجهيلي الذي سجّله ، فرأى أن التقليد وعي وليس اتكالًا ، ونظر ليس إغماضاً ، ورقابة مجتمعية على الفقيه والمرجع لا نظرة عصمة ، وبحسب تعبيره اعتصام وكرّية للعلماء والمجتهدين ، إن الشهيد مطهري يعتقد بأن هذا النوع من التقليد تقليد ممنوع ، وينص على أنه ينجم عنه كثير من المفاسد « 1 » .
إن النقد الذي يوجّهه المطهري لظاهرة التقليد الأعمى للعلماء والفقهاء ، هو محاولة لتحقيق إعادة انتشار للعالم والفقيه في موقعه المحدّد الموضوعي ، وعدم الاعتقاد - وهو اعتقاد عن وعي أو لا عن وعي يشتمل الكثير جداً من عوام الناس إن صح هذا التعبير - بعصمة العلماء ، وبالتالي صيرورتهم فوق النقد والمساءلة ، وهو أمرٌ يجر مخاطر كثيرة جداً على المجتمع الإسلامي ككل ، ويولِّد مظاهر من « البابوية القيصرية » (
Papisme Cesaro - )
كما امتاز به في الوسط المسيحي يوستنيانس ، حتى كانت حقبته أطول حقبات هذه البابوية « 2 » .
وبهذا نخلص إلى أن المطهري ، بتوضيحه مفهومي الاجتهاد والتقليد ، حقّ له أن
هامش
( 1 ) المصدر نفسه ، ص ص 173 - 178 .
( 2 ) الدكتور جورج طرابيشي ، مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام ، ط 1 ، دار الساقي ، بيروت ، 1998 م ، ص 59 - 60 .