وصياغات متفاوتة لحل أزمة العلاقة هذه من دون أن يجري التوصل إلى إجماع حاسم يفرض الموضوع بوصفه أساساً مسلّماً .
ولم يقف الصراع العقلي النصي عند حدود العقديات الدينية ، بل تعدّاه إلى العمليات الدينية من قانون وأخلاق ، وعلى المقدار الذي كان الخلاف فيه شديداً بين العقل والنص في العقديات ، كان إلى حد معين - وأحياناً أقوى وأشد - في القضايا العملية ، وهو أمرٌ له أسبابه .
ولعل أوّل تفجّر للأزمة بين العقلي والنصي كان مع الإمام أبي حنيفة ( 150 ه - ) في النصف الأول من القرن الثاني ، فقد ركز أبو حنيفة أعمدة العقل وحسر إلى حد بعيد دور النص ونشاطه في النطاق الفقهي ، وقد شكَّل ذلك بداية انقسام فقهي حاد حول مرجعية العقل تمثلت في أهل الحديث وأهل الرأي . كانت نهايته انتصاراً لأهل الحديث بلغت ذروته مع أحمد بن حنبل ، وذروة ذروته مع ابن تيمية الحراني في القرن الثامن الهجري .
لقد اختطّ أهل السنّة لأنفسهم مساراً قلّدوا زمامه لتيار الحديث ، انطلاقاً من قناعات . وكان القرن العاشر مستقراً مع السيوطي لصالح هذا التيار . أما الشيعة فكان الأمر مختلفاً بالنسبة إليهم ، ففي القرن العاشر بالذات دخلت فقهياتهم مخاضاً عسيراً ، أسس لنصية جديدة ومتطوّرة هذه المرّة ، فقد قدّم محمد أمين الأسترآبادي جُماناً منضوداً من التصورات في « الفوائد المدنية » ، بدأه من ترسيم أوّلي لقدرات العقل وانتهى به - لا سيما مع أنصاره - إلى إيجاد تقليص جديد هذه المرّة تخطى استبعاد العقل إلى تقليص النص نفسه لصالح نص آخر ، فقد استبعد النص القرآني بشكل من الأشكال ، وأزيح العقل والإجماع عن السدّة التي تتربع عليها مصادر الاستنباط الفقهي ، قابله توسعة لا سابق لها للحديث الشريف إلى حد الحديث عن
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 108
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٠٨