اليوم لتفسير القرآن ، وعلى رأس ذلك كلٌّ من اللغة بفروعها وأسباب النزول وملابساته .
يقول ابن خلدون : إنّ القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم فكانوا كلّهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه « 1 » .
وأغلب الظنّ أن ابن خلدون يقصد الفهم الأولي للقرآن ، لا فهم تمام معانيه بما فيها ذاك الناشئ عن مقاربة الآيات ومقارنتها ، فإنه كلّما كان الصحابي حافظاً للقرآن مستحضراً آياته في سبيل مقاربتها ومقارنتها ، كان أقدر على الخروج بنتائج أكثر ، وهذا أمرٌ طبيعي لكلّ قارئ لنصٍّ نزول نجوماً في ثلاث وعشرين سنة .
نعم ، إنّ الكثير من الجهود التي نبذلها نحن اليوم لم يكن يحتاجها المعاصرون لنزول الآيات والمتابعون لحدثها ، وهذا ما يخفّف بدرجة كبيرة المسؤولية التفسيرية التي قد تلقى على عاتق النبي صلى الله عليه وآله .
من هنا ، كان حجم التفسير النبوي قليلًا ، لا سيما لو أخذنا بعين الاعتبار ، ما ثبت منه تاريخياً بشكل موثق ، ووظيفة النبي كانت إظهار القرآن للناس وعدم إخفائه عنهم ، قال تعالى :
( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ )
( النحل : 44 ) ، والذي يعني بيانه مقابل إخفائه ، لا بيانه بمعنى تفسيره كما هو المشهور ، ولا أقلّ من أنّ ما نقوله يمثل القدر المتيقن ، مع مقارنة هذه الآية بما دلّ على أنّ القرآن نورٌ بنفسه وبيان وتبيان .
من هنا ، لا يصحّ قول من قال - وعلى رأسهم الشيخ ابن تيمية الحراني « 2 » - بأنّ الرسول فسّر القرآن كلّه ، استناداً إلى هذه الآية الكريمة .
هامش
( 1 ) مقدّمة ابن خلدون : 438 .
( 2 ) لمزيد الاطلاع حول مناقشة أدلّة الأطراف هنا ، انظر : الذهبي ، التفسير والمفسرون 1 : 48 - 49 .