تفصيل نتركه لمناسبة أخرى .
5 - 4 - تدوين السنّة : النشأة ، التطوّرات والملابسات
اهتمّ المستشرقون بظاهرة تدوين الحديث ، وكانوا ميّالين أكثر للقول بأنّ الحديث بدأ تدوينه في منتصف القرن الثاني الهجري فما بعد ، وأنّ الفترة السابقة على هذه لم تشهد أيّ تدوين حقيقي للسنّة ، وإنما اعتمدت إما على اختراع الأحاديث بدواً أو على تناقلها الشفوي .
ويذهب موير (
W . Muir )
صريحاً إلى أنه لا توجد أيّ مجموعات كتابية للسنّة يمكن التأكّد منها قبل منتصف القرن الثاني الهجري « 1 » . بل يستمرّ جولدتسيهر في هذا الأمر فيرى أنّ الكتب والرسائل التي زعم المسلمون أنها كتبت في القرن الهجري الأوّل كلّها مفتعلة ، تمّ ذلك فيها في القرون اللاحقة ، وأنّ الروايات الواردة في تدوين السنّة وكتابتها كلّها موضوعة لم تصدر عن أحد في القرن الهجري الأوّل « 2 » .
وحول منع تدوين الحديث من جانب الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، يذهب المستشرق الألماني شبرنجر إلى أنّ هدف عمر من ذلك كان الحفاظ على الإيمان الديني القوي والشجاعة والعزم والاندفاع في نفوس المسلمين لكي يحكموا العالم فيما بعد ، فالكتابة والتدوين واتساع المعرفة ذلك كلّه لا يناسب مثل هذه الغاية « 3 » .
وتبدو معالم خطورة عدم وجود تدوين في قرن ونصف تقريباً بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله عندما نعرف أنّ التناقل الشفوي للمعرفة يظلّ محفوفاً بالكثير من
هامش
( 1 ) تاريخ تدوين السنّة : 113 .
( 2 ) انظر : منع تدوين الحديث ، أسباب ونتائج : 55 .
( 3 ) المصدر نفسه .