عامة ، منذ نشأته إلى وفاته ، ولم تكن لتختصّ أو تنحصر بالنبي ؛ لأنّ المسلمين كتبوا سيرة معاوية وبني أمية ، كما في كتاب عوانة الكلبي ( 147 ه - أو 158 ه - ) ، وقد أطلق عنوان ( سِيَر ) على ترجمة حياة النبي ، وكأنما فضّل هذا العنوان على غيره ليدلّ على الروايات الخاصّة بحياته أسوةً ب - « سير الملوك » البهلوية الأصل ، التي كان يعرفها العرب قبل الإسلام .
ويلمح دلافيدا كلمة « السير » في المصنّفات الإسلامية القديمة إلى جانب كلمة ( المغازي ) ، حيث يُفهمنا هذا الأمر أنّ تصوّر المسلمين لسيرة النبي لم يكن على غرار كتابة تاريخ حياة بالمعنى الذي نفهمه من كلمة تاريخ ، وإنما كان يقترب مما كان يفعله العرب أيام الجاهلية مما يسمّى بأيام العرب من غزوات ومفاخر قتالية ، إنّ السيرة استمرار لفكرة أيام العرب ، ففي أيام العرب يميل الناقلون إلى الحديث عن قصص متفرقة يقطعون بها حبل الاتصال ، فليس هناك موضوع تاريخي متصل متسلسل بقدر ما هي « مذكرات حربية » .
إنّ استمرارية أيام العرب بثقافتها وطريقتها في السير والمغازي قطع التواصل التاريخي من جهة ، وأفقدنا الكثير من المعلومات من جهة ثانية .
ورغم أن دلافيدا يضع السيرة النبوية في سياق أيام العرب ، لكنه يقدّم لها سياقاً ثانياً أيضاً ، وهو سياق تثبيت العبادات والشرائع التي قدّرت في الدين الجديد .
ويثير دلافيدا فكرةً هامة يضعها هي الأخرى في سياق جديد ، وهي أنّ المسلمين كانوا قد انفتحوا على الديانتين اليهودية والمسيحية منذ الهجرة إلى المدينة ، فأرادوا أن يضعوا أنفسهم في مصافهما ، وحيث إن المسيحيين واليهود كانوا قد تحدّثوا عن منشئهما أراد المسلمون أن يكون لهم ذلك ، فوضعوا تلك القصص حول النبي وأضفوا عليها طابعاً أسطورياً رغم أنه كان مراراً يعدّ نفسه بشراً ، وبهذه الطريقة
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 419
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤١٩