ذلك ، إنه يدلّنا على سبب آخر برأيه ، وهو أنّ هذه الكتب احتوت الأفكار المتّفق عليها في القرن الثالث الهجري بين الفرق السنيّة ، وكان الاتجاه العام يميل إلى جمع الأحاديث التي حازت قبولًا عاماً عند الغالبية في ذلك العصر ، فليس الأمر مسألة اتباع لأفكار البخاري وجهوده الحديثية بقدر ما كان اتّباعاً لرغبة في جمع ما اتفق المؤمنون في ذلك العهد على قبوله من الأحاديث المروية « 1 » .
إنّ هذا التفسير الوضعي لمقبولية هذه الكتب يعيد إلى ذهننا ما ذكره بعض الباحثين المعاصرين من أنّ الشافعية هم الذين روّجوا لصحيح البخاري بجهود كانت تهدف لسيطرة مذهبهم الفقهي على العالم الإسلامي .
وفي سياق تطوّر الحديث التفت المستشرقون إلى قضية الوضع في الحديث ، وأثاروا حول نصوص العرض على الكتاب استفهامات ، فذهب جولدتسيهر إلى أنّ مثل هذه الأحاديث جيء بها كي تؤمّن شرعيةً وتغطيةً للوضع في مجال الأخلاق وما ينفع الناس ويجعل أمرهم مستقيماً ، ولهذا نجد أنه ظهر تساهل في حديث الأخلاق والفضائل في الأعمال أكبر بكثير من الجانب الفقهي « 2 » .
وتدخل في عملية الريبة في الحديث وأنّ الأسانيد جيء بها فيما بعد . . الأساليب الصياغية للحديث النبوي ، حيث يذهب روبسون إلى أنّ أسلوب التفصيل بعد الإجمال من الأساليب التعليمية التي ظهرت فيما بعد ، ثم لما نسب الحديث إلى النبي استخدم الرواة الأسلوب المعاصر لهم ، ويمثل لذلك بمثل أن يقول النبي : بني الإسلام على خمس : الصلاة و . . ؛ إنّ هذا التفصيل بعد الإجمال شكلٌ من أشكال
هامش
( 1 ) انظر : دائرة المعارف الإسلامية 7 : 335 - 337 ، 342 ( مادة : الحديث ) .
( 2 ) انظر : العقيدة والشريعة في الإسلام : 46 - 47 .