قيمة له ، بل إنما تعرّضوا لكثرة الحديث تارةً وللتدوين تارة أخرى ، فلو كان الخلاف حول أصل القيمة التي تأخذها السنّة لوجدنا نزاعاً من نوع آخر ، وقد احتفظ المسلمون بالخلاف الذي شهدته تلك الحقبة ونقلوا منع التدوين رغم اعتقادهم بالتدوين في القرن الثاني ، لكنّ أحداً منهم - سوى في نصوص قليلة للغاية لا يجدر جعلها مصدراً تاريخياً - لم يناقش في أصل قيمة السنّة النبوية .
ثالثاً : إنّ مقولة أنّ الشافعي هو مؤسّس السنّة في التراث الإسلامي ، والتي طرحها المستشرقون والكثير من الباحثين المتأخرين في العالم العربي والإسلامي تحوي خطأً واضحاً ؛ فهناك فرق بين التأسيس النظري لمقولةٍ ما والاقتناع الوجداني غير المنظّر له لهذه المقولة ، وتاريخ الفكر قائم على ذلك ، فالعمل بالظهورات اللفظية سنّة قائمة ، لكنّ نظرية حجية الظهور فكرة متأخرة ، وهكذا الحال في نظرية حجية خبر الواحد عند من يقول بها ، فإذا كان الشافعي أوّل من طرح نظرية السنّة وأقام عليها الأدلة والأفكار فهذا لا يعني غياب هذه النظرية في الوعي الإسلامي قبل ذلك ، وإلا فكيف نفسّر مثل كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس ( 179 ه - ) والذي كتبه قبل أن يظهر اسم الشافعي في الحياة العلمية للمسلمين ؟ وما معنى موقف الأحناف ( وهم سابقون على الشافعي ) في القرن الثاني من الحديث ، وهو موقف متشدّد ؟ فلو لم تكن فكرة مرجعية السنّة والحديث قد ظهرت لم يكن هناك من تفسير لهذه الظواهر الواسعة المهتمّة بالحديث بحيث يقع الخلاف بينها في حجية المنقول وعدم حجيته لا حجية أصل السنّة الواقعية .
بل إن نفس منع تدوين الحديث في القرن الأوّل - بناءً على صحّته - شاهد على أنّ هناك تياراً - على الأقل - كان يتجه إلى التدوين ، وهو مؤشر على اعتبار السنّة في الوعي الإسلامي الأول - في الجملة - مرجعاً يستحقّ أن يدوّن .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 398
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٩٨