الأحاديث الصحيحة لا تختلف عن غيرها في مكوّناتها الدلالية والأدبية ، فالإسناد لا يغيّر شيئاً ، فعندما نواجه حديثاً صحيح الإسناد ثم نأخذ حديثاً آخر مطعوناً فيه ، لا نجد في متن الحديثين أيّ اختلاف ، إذ يغلب على الجميع طابع واحد ، وهو وجود مشكلة ما جاء الحديث ليقرّر قاعدة أو جواباً يتصل بهذه المشكلة ، وذلك أكثر من أن يكون الحديث مشتملًا على حقيقة تاريخية حيادية ، فلو كان هناك حديث صحيح واقعاً لظهر اختلاف في تركيبة الأحاديث الصحيحة وغيرها ، وهو أمر لا نجد أنّ علم السند يوفّره لنا .
ويلفت جوينبيل هنا إلى أنّ هذه الأحاديث ورواتها كانت محلّ جدل وتساؤل كبيرين في الفترة الأولى ، ويمثل لذلك بالراوية المشهور أبي هريرة ، فهذا الرجل كان مورد نقد شديد ، والثقة به كانت محلّ جدل عنيف بين كثير من الناس في عصره ، لكنّ مرور الأيام كرّس هذه الأحاديث التي اختلقتها المنازعات بين المسلمين ، وتحوّلت عند الأجيال اللاحقة أمراً مسلّماً ، وشيئاً فشيئاً بدأ تصحيح الأحاديث وتحوّلها إلى مرجع ليستند إليه المسلمون ، وبالرغم من التعارض بينها شديداً لأنها تنتمي إلى تيارات مختلفة متصارعة إلا أن العلماء المسلمين ذلّلوا العقبات أمام تفتيت أشكال المعارضة الموجودة بينها ، واستطاعوا أن يروها في غاية التجانس ، وبعد أن كان المسيطر هو الموقف المتشدّد من الحديث ونقده صار المهيمن هو الأخذ والتسليم للروايات ، وصار لا يجوز نقد الحديث إلا بعد اليأس التام عن تأويله بشتى أنواع التأويل .
ويقدّم جوينبيل تفسيراً متصلًا ، فيرى أنّ السبب في صيرورة الكتب الستّة عند أهل السنّة مقدّسةً معتمدة - لا سيما الصحيحين منها - لا يرجع إلى الدقّة ونحو
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 400
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٠٠