وقد كانت مقدّمة ذلك أن تعلّم الكثير من مسيحي الغرب اللغة العربية وعاشوا في بلاد المسلمين أو زاروها ، كي يتمكّنوا من التعرّف على حضارة المسلمين ، وعبر ذلك إعادة نتاجهم الفكري - المطوّر هذه المرة - إلى بلادهم ، ويبدو أنه قبل القرن العاشر الميلادي كانت هناك بعض الجهود البسيطة في هذا المجال ، لكنّها لم تكن لتشكّل تياراً أو ظاهرة يمكن الحديث عنها .
4 - يعود الاستشراق إلى القرن العاشر الميلادي مع انطلاقة مشروع الراهب المسيحي الفرنسي جربير سلفستر الثاني ( 1003 م ) الذي أطلق عملية دراسة الشرق ، حيث كان قد تعلّم العربية في قرطبة ، ثم رجع إلى بلاده ليصبح ( البابا سلفستر الثاني ) ، ويطلق مشروع البحث في الشرق بحكم موقعه ومنصبه .
5 - تعود البدايات الحقيقية للاستشراق إلى فترة الحروب الصليبية ، ففي هذه الفترة وقع صدام الحضارات بين الشرق والغرب ، وكان من الطبيعي أن يولّد هذا الصدام اطّلاعاً متبادلًا على الطرف الآخر ؛ لأنه يزيد في العادة من الاحتكاك الحضاري ، لاسيّما وأنّ الحروب الصليبية كانت طويلة المدّة ، حيث استطالت لقرابة القرنين من الزمان .
ويمكن التكهّن بهذا الرأي من خلال تحليل ما يسمّى في الدراسات التاريخية ببرهان طبيعة الأشياء ، وهناك ما يشهد عليه ، حيث ظهر ما يعدّ عند بعضهم أول نتاج استشراقي في القرن الثاني عشر الميلادي من خلال ظهور أوّل ترجمة للقرآن الكريم ، وأول قاموس عربي - لاتيني .
6 - إنّ الاستشراق يرجع تحديداً إلى حملة نابليون بونابرت ( 1821 م ) التي طالت مصر عام 1798 - 1799 م ، فقد شكّلت هذه الحملة انطلاقة تواصل ثقافي
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 346
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٤٦