« هو من أحسن القرب ، وينبغي أن تخفّف شروطه » « 1 » .
لكنّ هذا الدليل غير واضح ؛ لاحتمال وجود مفسدة في وقف النقود لأجلها لم تُجِزْه الشريعة ، مثل : مفسدة زوال قيمة النقد والتضخّم ، فلعلّ الشرع تحفّظ من هذه الزاوية لتلك المفسدة ، فيدور الأمر بين احتمال المصلحة واحتمال المفسدة . ولا معنى للتسامح هنا إذا لم يُبْنَ على العمومات والمطلقات الواردة في الأدلة ؛ لأنه مجرّد ظنّ واحتمال لا دليل على حجيّته في غير كونه مجرّد مؤيّد للأدلّة الأساسية ، فهو تماماً مثل الوصية ، حيث لا تصحّ الوصية بكلّ التركة ، ولو كان الورثة أغنياء لا يحتاجونها .
الدليل الثالث : إنّ وقف النقود يحقِّق المقاصد الشرعية للوقف والمصالح العامة التي فيه ؛ فإنّ الغرض من الوقف تحقيق المصالح الاقتصادية العامّة . وحيث يمكن مساعدة الفقراء والمحتاجين وتنمية الاقتصاد وإقامة المشاريع الخيرية الكبرى من المساجد والمستشفيات والمدارس والمعاهد الدينية والجامعات والمراكز الخدمية وطباعة الكتب المفيدة وكفالة الأيتام ودعم المجاهدين وغير ذلك ، إلى جانب توفيره المجال لصغار المالكين للمساهمة في فعل الخير وتقديم الصدقات وتيسير الأمور لمَنْ يريد الإفادة من ثواب هذا العمل الخيري ، إضافة إلى توفيره المشكلات التي تواجه وقف العقارات أحياناً من ارتفاع تكاليف تجديدها وصيانتها ومحدودية طرق استثمارها وصعوبة تمويلها وعُسر بيعها في حالات الضرورة . . ، فإذا كان الوقف يحقّق التكافل الاجتماعي والحفاظ على المال وتوثيق عرى التواصل الرحمي ونشر العلم وتوفير الخدمات للآخرين . . فإنّ وقف النقود يحقّق هذه الأغراض والمقاصد السامية أيضاً ، ويترك أثره الطيّب في المصالح العامّة للمسلمين .
هامش
( 1 ) القرافي ، الذخيرة 6 : 322 ، تحقيق : محمد حجي ، دار الغرب ، لبنان ، 1994 م .