فإذا انتقلنا من النقد المعدني إلى النقد الورقي اليوم نعلم أنّ هذا النقد وإن أخذ بعض قيمته من رصيد الذهب والفضة الذي يحكي النقد عنه ، والموجود في خزائن البنك المركزي ، إلا أنه - ولا سيما بعد تطوّر النقد - لم يعد ورقةً إثباتية لصالح حاملها عمّا له من مقدار الذهب والفضة الذي تحكي عنه الأوراق النقدية ؛ وإنّما قيمة هذا الورق النقدي تكمن في قوّة الدولة وتغطيتها ممّا تملكه على صعيد الاستقرار السياسي والثقل الاقتصادي ومقدّراتها الأولية والثانوية من موادّ خام ورؤوس أموال واحتياطي ، إلى جانب فعاليتها في المجال الصناعي والزراعي والتجاري ، مع استقرارها الباعث على حالة الطمأنينة العامة ، فليس مالك النقد الورقي اليوم مالكاً للمقدار الذي يحكي عنه النقد من الذهب في البنك المركزي ، وإنما هو مالك لقوّة شرائية اعتبارية مصدرها مجموعة العناصر المتشابكة التي تعطي للدولة والمجتمع قوّةً تلقي بظلالها على قيمة النقد الذي يعبّر عنها .
وهذا معناه أنّ النقود الورقية لا يصحّ التعامل معها بوصفها شيئاً له استخدامين ، كما قد يتصوّر في الدرهم والدينار ، بل ليس لها إلّا هوية واحدة ، وهي المالية ، فوقفها وقفٌ للمالية التي فيها ، وهي عنصر ثابت ، ولا تلاحظ العين إطلاقاً على هذا الصعيد ، حتى يجري الحديث عن ثباتها وعدم ثباتها . وحتى لو فرض لها أكثر من استخدام فإنّنا نلاحظ هنا وقف الماليّة التي فيها ، لا وقفها بملاحظة الاستخدام الآخر .
والشاهد على هذه الخصائص كلّها في النقد اليوم أنّ النقد لا يلاحظ بوصفه سلعةً فيها حيثية إشباع ، فليس الطلب على النقد - كما ذكر بعضهم « 1 » - ناشئاً من
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : 49 .