أغلب الأحيان . فكأنّ هذا الدليل ما زال مسكوناً بربط النقد بالدراهم والدنانير الفضيّة والذهبيّة ، مما اختلف الفقهاء في جوازه انطلاقاً من قابليتهما للزينة وجعلهما حلياً ، أو قابليتهما للإجارة لهذا الغرض ونحوه .
لكنّ فرض موضوعنا أنّ الموقوف هو المالية ، والغرض هو الاستثمار أو الإقراض أو نحو ذلك . وهذا ما لا يضرّ بعنصر التبادل أو الثمنيّة الموجود في النقود ، كيف ووقف المالية بهذه الطريقة يفرض تحريك النقد في السوق واستخدامه في أغراضه الأصيلة ؟ !
من هنا نعرف أنّه لا معنى لجعل وقف النقود تحجيراً للمال بلا منفعة ؛ فإننا لا نقف النقد لتظلّ أعيانه ثابتة بلا تحريك في السوق ، بل على العكس تماماً ؛ فإنّ وقف النقود بهذا المعنى إطلاقٌ للمال في مجال الاستثمار والتبادل والتداول . كما أنّ المنافع هنا واضحة ، وقد ظهرت عند الحديث عن أنواع وقف النقد ومجالاته من رفع حاجة المحتاجين بالإقراض ، أو توظيف المال لتكون أرباحه وعائداته لصالح الفقراء والمساكين وسبل الخير والصلاح ، فلا يمكن فرض انعدام المنفعة من عملية الوقف هذه .
إنّ الإشكالية الأساسية تكمن في أنّ النقود المعدنية - الدرهم والدينار - تحوي قيمةً ذاتية ، بصرف النظر عن دخولها مجال النقد ؛ لأنّ المفروض أنها ذهب وفضّة . وكأنّ بعض المانعين القدامى فرضوا أنّ عملية الوقف منصبّة على عنصر الذهبية والفضية في النقدين ؛ لهذا لاحظوا جعلها حليّاً ، وبحثوا في وقفها للتزيّن بها ، فيما يراد ملاحظة عنصر النقدية الذي يحويها ، والذي يحمل في طياته المالية والثمنية والقدرة الشرائية والقوّة التبادلية و . .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 332
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٣٢