الخطاب حين قال له : « يا رسول الله ، إني أصبت مالًا لم أُصِبْ مثله قط ، كان لي مائة رأس ، فاشتريت مائة سهم من خيبر من أهلها ، وإني أردت أن أتقرّب بها إلى الله عز وجل » . وورد بصيغ متقاربة أيضاً ، مثل : « إن شئت حبّست أصلها وتصدّقت بها » « 1 » ، أو « احبس أصلها وسبّل ثمرتها ، أو وتصدّق بثمرتها » « 2 » . وفي صيغة أخرى : « تصدّق بثمره واحبس أصله ، لا تباع ولا تورث » « 3 » .
إلا أنّ الإنصاف - وبصرف النظر عن الجانب السندي والصدوري من الحديث - أنّ هذا الحديث الذي اعتُبر الأصل في تحديد هويّة الوقف غير دالّ على حصر هذه الهويّة بما جاء فيه ؛ إذ - فضلًا عن وجود تعبير « إن شئت » في بعض صيغه - غاية ما يدلّ عليه أنّ الرسول صلى الله عليه وآله أرشد عمر بن الخطاب إلى طريقةٍ في وقف أمواله التي هي عبارة عن سهام من خيبر ، وليس في الحديث حصرٌ للوقف بهذه الطريقة ، وربما لو كانت أموال ابن الخطاب دراهم ودنانير لقال له : اجعلها صدقةً للتجارة بها ، أو للمضاربة ، أو للإقراض . بل ما المانع أن يكون الوقف على نوعين : أحدهما يشتمل على تحبيس الأصل ؛ والثاني لا يشتمل عليه ، ويكون الرسول صلى الله عليه وآله قد أرشده إلى إحدى الطريقتين ؟ ! نعم لا يسمّي الفقهاء النوع الثاني وقفاً ، وإنما يعبّرون عنه بأنه صدقة ، ولا ضير ما دام الوقف في لسان النصوص الدينية غير مستخدم كثيراً ، وإنما المستخدم هو الصدقة ، ومنها الصدقة الجارية .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري 3 : 185 ، 196 ، و 7 : 235 ؛ وصحيح مسلم 5 : 47 ؛ وسنن ابن ماجة 2 : 801 ؛ وسنن أبي داوود 1 : 658 ؛ وسنن الترمذي 2 : 417 ؛ وسنن النسائي 6 : 230 - 231 و . .
( 2 ) سنن ابن ماجة 2 : 801 ؛ وسنن النسائي 6 : 232 ؛ وابن أبي عاصم ، كتاب الأوائل : 41 ؛ وصحيح ابن خزيمة 4 : 119 ؛ وصحيح ابن حبان 11 : 262 .
( 3 ) البيهقي ، معرفة السنن والآثار 4 : 546 .