يستهلك ويتلف بالانتفاع به ، لم يتحقّق الوقف أساساً « 1 » .
ويمكن مناقشة هذا الكلام :
أولًا : إن النقود المعاصرة بما هي نقود لا عينيّة لها إلا ماليّتها وقوّتها الشرائية وقدرتها التبادلية ؛ لأنّ العقلاء لا ينظرون إلى أعيانها وأشخاصها ، وإنما ينظرون إلى ماليّتها . فإذا كانت ماليّتها متحقّقةً - ولو بتبدّل أعيانها - كانت باقيةً ، وإلا صدق عليها أنها انعدمت وتلاشت . والماليّةُ غير مرتبطة حتماً بالجانب العيني للنقد بعد زوال الذهبية والفضية عن النقود المعاصرة .
وبعبارة أخرى : إنّ الذهن العقلائي يربط وجود النقد مع زيد بوجود المالية ، لا بوجود العين بما هو وجود لها خاصّة ، إلا إذا كان لعين نقدٍ خاصّ خصوصية استثنائية ضمن حالة خاصّة . فما دامت المالية موجودة فإنهم يقولون بأنّ زيداً ما زالت عنده الألف درهم ، فإذا زالت المالية حكموا بفقدانه هذه الألف .
ولعل ما نقصده هنا هو ما عبّر به ابن عابدين ( 1252 ه - ) بقوله : « إنّ الدراهم لا تتعيّن بالتعيين ، فهي وإنْ كانت لا ينتفع بها مع بقاء عينها ، لكنّ بدلها قائم مقامها ؛ لعدم تعيّنها ، فكأنها باقية » « 2 » .
ولعلّه من هنا ذهب أستاذنا السيد محمود الهاشمي الشاهرودي إلى جواز « وقف النقود الورقية بما هي مالية محضة ، فيجب حفظ ماليّتها الخارجية ، ولو ضمن
هامش
( 1 ) غنية الن - زوع : 297 ؛ والسرائر 2 : 479 ؛ وجامع الخلاف والوفاق : 366 ؛ ومختلف الشيعة 6 : 330 ؛ وجواهر الكلام 28 : 18 ؛ وإصباح الشيعة : 345 ؛ وكشاف القناع 4 : 298 ؛ وعبد اللطيف محمد عامر ، أحكام الوصايا والأوقاف : 251 ، مكتبة وهبة ، مصر ، ط 1 ، 2006 م .
( 2 ) حاشية ردّ المحتار 4 : 560 ؛ وانظر : أحمد محمد عبد العظيم الجمل ، دور نظام الوقف الإسلامي في التنمية الاقتصادية المعاصرة : 44 ؛ دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة ، مصر ، ط 1 ، 2007 م .