فإن هذا لو تمّ كفت فيه الأدلة الأخرى التي أتمته ولم نعد بحاجةٍ إلى هذا الدليل ، وإلا فمجرّد كونه موافقاً للاعتبار لا يعني الأخذ بمضمونه بلا دليلٍ مستقل .
والمتحصّل أنّ هذا النبوي ضعيفٌ بالإرسال .
نعم إذا فسّرنا الشبهة بما فُسّرت به في مباحث البراءة من علم الأصول - كما فعله السبزواري في المهذّب - كفت أدلة البراءة هناك على هذا المعنى للشبهة « 1 » الذي لا يتجاوز التفسيرين الأولين حتماً ، وصار البحث عن السند هنا أمراً لغواً .
ثانياً : ما ذكره بعض الفقهاء من أن الحديث خاصٌّ ظاهراً بالشبهة لدى الفاعل لا الحاكم ؛ ذلك أنّ ظاهر الحديث التأسيس لأمرٍ جديد ، وإذا كان المراد الشبهة لدى الحاكم فقد الحديث تأسيسيته ، إذ إنه لم يقل أحدٌ من المسلمين بأنه مع قيام البينة الشرعية يمنع الحاكم من إجراء الحد ، كما أن عدم إقامته الحدّ عند عدم الدليل الشرعي مما لا يحتاج إلى نص تأسيسي لوضوحه ، والمتحصّل أن ظهور الحديث في التأسيس مانعٌ عن شموله للحاكم فيكون مختصّاً بالفاعل كوطء الشبهة « 2 » .
لكن هذه المناقشة قابلةٌ للجواب :
أ - بالنقض ، إذ المسألة على نفس المنوال من طرف الفاعل ، أفهل يناقش أحدٌ من المسلمين في عدم ثبوت عقوبةٍ على الوطء شبهة ؟ ألا تقرّر ذلك أدلتهم الكلامية والأصولية بعيداً عن هذا النص ؟ وألا تستدعيه الطبيعة الإنسانية العقلائية الحاكمة في مثل هذه الموارد ؟ فإذا كانت التأسيسية غير واضحة في مورد الحاكم فلا جزم بأنها أقلّ وضوحاً في موارد الفاعل .
ب - بالحل ، فلو حافظنا على ظهور الحديث في التأسيسية ، فلا يوجد ما يمنع من
هامش
( 1 ) مهذّب الأحكام 27 : 227 و 229 .
( 2 ) السيد إسماعيل الصدر ، تعليقة على التشريع الجنائي الإسلامي : 335 - 336 .