إستراتيجياً في حياة البشر ، فضرورات مرحلة الانطلاق والتأسيس تستدعي سياسة من هذا النوع في عالم كانت هذه هي نظمه .
ولعلّ ما يعزّز مثل هذه الاحتمالات ما مال إليه بعض المستشرقين من أنّ الجزيرة العربية كانت تشهد قبيل ظهور الإسلام ظاهرة تصحّر ، وأن هذه الظاهرة هي التي دفعت المسلمين للتفكير في الفتوحات خارج نطاق جزيرة العرب ، فإذا صحّ هذا التحليل ، الذي بُني على النظرية الجغرافية حول الجزيرة العربية ، والتي طرحها العالم هوغو فنكلير ، واستفاد منها المستشرق الإيطالي ليوني كاتياني ، في تفسير ظهور الإسلام - بصرف النظر عن صحّة مقولاته - فإنّ احتمال الضرورات الزمنية يمكن أن يكون قوياً لصالح التفسير التاريخي لظاهرة الفتوحات دون التفسير النصّي الديني الصرف .
والذي يدفعنا لمثل هذه الفرضيات ، التي لا دليل حاسم عليها ، وإنّما هي احتمال منطقي يمكن فرضه ، أنّنا نتعامل مع أفعال تارةً ؛ ومع سكوت عن أفعال تارةً أخرى ، والفعل مفتوح على احتمالات ، وإذا كان أحدها هو المنصرف لأذهاننا فلأنّ الثقافة الفقهية السائدة قد أنست به ؛ نتيجة اشتهار القول بالجهاد الابتدائي ، وإلا فلا دافع لتلك الاحتمالات إلا بإقامة الدليل على نفي جميعها ، كي يتعيّن تفسير الفعل أو السكوت عنه بفريضة الجهاد الابتدائي بالعنوان الأوّلي .
ونتيجة الكلام حول دليل السيرة النبوية والإسلامية ورسائل النبي صلى الله عليه وآله وكتبه أنّها على أبعد تقدير تؤكّد الجهاد الابتدائي تاريخياً ، لكنّها لا تستدعيه فقهيّاً بوصفه حكماً أولياً في الشريعة ، وإنّما هو حكم قابل للتشريع الزمني نتيجة ضرورات ، ومن المعروف أنّ نظام المهم والأهم ونظام الضرورات يجريان في الشريعة الإسلامية
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 196
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٩٦