أنّه لا يمكن بناء دولة مستقرّة في مناخ القبائل العربية المتناثرة ، فلابدّ من توحيد هذه القبائل في الجزيرة العربية كي تتكوّن منها دولة تقدر على الاستمرار ، لهذا احتوت رسائله لبعض من في الداخل هذا اللون من التعاطي ؛ تأميناً لبناء الدولة الفتيّة ، ونحن نعرف أنّ العقل القبلي كان يوشك على الإطاحة بالدولة حتى بعد كلّ هذه الفتوحات الإسلامية الكبرى التي حصلت في عهد الخلفاء الأوائل ، وتناحر المسلمون في حروب قد يعود الكثير منها إلى النزعات القبلية مع الأسف الشديد ، فإذا كانت هذه هي الحال بعد بناء الدولة الإسلامية العظمى فماذا كان سيكون عليه الوضع لو أنّ النبي ترك المدينة المنوّرة فقط وبقعاً متناثرة من أجزاء الجزيرة العربية ؟ !
وهذا يعني أنّ العنوان الثانوي والضرورة الطارئة هي التي فرضت استخدام القوّة استثنائياً ضدّ هؤلاء ، ونحن نعرف أنّ أكثرهم لم يحاربه النبي صلى الله عليه وآله ؛ لأنّه خضع له ؛ فإما أسلم نتيجة هذه الرسائل ؛ أو دفع الجزية وظلّ خاضعاً لنفوذ الدولة القويّة .
والذي حصل أنّ المسلمين من الصحابة تصوّروا أنّ الأصل في سنّة النبيّ وسيرته هو الحرب مع غير المسلم ، فوسّعوا دائرة هذه التجربة النبوية ، معتقدين أنّ المفترض هو هذا ، وأستعير هنا تعبيراً استخدمه الشيخ محمد أبو زهرة ( 1394 ه - ) عند حديثه عن العلاقات الدولية في الإسلام ، حيث اعتبر أنّ المسلمين أخذوا مثل هذه المقولات من الواقع ، ولم يأخذوها من النصوص « 1 » ، وهذا يعني أنّهم التبس عليهم الأمر في تفسير التجربة النبويّة .
هامش
( 1 ) محمد أبو زهرة ، العلاقات الدولية في الإسلام : 51 ، دار الفكر العربي .