من يخطّط - أولًا - لفتح صراع ، ويحمل نواياً ضدّ الطرف الآخر ؛ لهذا تعدّ الضربات الاستباقية للعدوّ شكلًا من أشكال الدفاع أحياناً .
ثانياً : إن السيرة دليلٌ لبّي لا إطلاق فيه ؛ لهذا يقتصر فيه على القدر المتيقن ، والمقدار المتيقّن منها هو الجهاد الدفاعي ، أما الابتدائي فمشكوك ، فلا يستند إليها لإثباته « 1 » .
وقد أورد على هذا الكلام بأننا لا نشك في ابتدائية حروب النبي صلى الله عليه وآله ، ومعه فلماذا نفترض أن الجهاد الابتدائي يندرج ضمن المشكوك ، بل هو مندرجٌ ضمن القدر المتيقّن من السيرة « 2 » .
وهذا الإيراد في محلّه لمن رأى أنّ شواهد التاريخ تؤكّد له الابتدائية ، فالمناقشة معه ليست في لبيّة دليل السيرة ، بل - قبل ذلك - في نفس تفسير ظواهر الحروب النبوية ، وقد بيّنا أنّ حروب النبي صلى الله عليه وآله كانت دفاعيةً في الغالب ، وقد أقرّ بذلك بعض العلماء الكبار ، مثل : صاحب تفسير المنار - وغيره ممّن أشرنا إليهم سابقاً - الذي اعتقد بأنّ حروب النبي كلّها كانت دفاعيةً « 3 » .
ثالثاً : إن السيرة دليلٌ لبي ، ومعه لو سلّمنا بأن حروب النبيّ صلى الله عليه وآله والصدر الأوّل من المسلمين كانت حروباً ابتدائية فنحن نحتمل احتمالًا معقولًا أن تكون شرعية الجهاد الابتدائي الذي قاموا به منطلقةً من أحد عاملين أو مجموعهما :
1 - السياسة التوسّعية التي كانت مهيمنةً على أيّة دولة ذات مشروع في تلك الفترة تجعل هذا النوع من الحروب متعارفاً ، تماماً كما قيل في ظاهرة الاسترقاق ،
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : 31 .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) تفسير المنار 4 : 62 .