أولًا : قد وقع خلط كبير في تحليل مسألة الجهاد في السيرة النبوية ، فقد تصوّر بعض الفقهاء والباحثين - وكما أشرنا سابقاً - أنّ الجهاد الدفاعي هو التلبّس الفعلي بدفع المهاجم حالًا ، ممّا جعلهم يتصوّرون أنّ العدو في حالة هجوم والمسلمين عمليّاً في حالة دفعه عن احتلال أراضيهم أو إبادة شعبهم أو إفناء دينهم ، والحال أنّ أحداً من أهل العرف والعقلاء والمقنّنين في العالم لا يفهم هذا المعنى المحدود للدفاع ، فالجهاد المبادر إليه ضدّ من يحتلّ الأرض لا يسمّى ابتدائيّاً وإن كان بدء إطلاق النار فيه من طرف المسلمين المحتلّة أراضيهم ، بل هو دفاع عن المسلمين ، كما هي الحال اليوم في فلسطين ، ولا يُقال : إنّ هذا الجهاد ابتدائي للدعوة ، أو أنه بملاك الكفر ، بل هو دفاعي بملاك رفع العدوان وتحرير الأرض والإنسان .
وهذا الفهم الخاطئ لمفهوم الابتداء والدفاع في الحرب أوقع بعضهم في أخطاء ؛ فمعركة بدر الكبرى كانت حرباً دفاعية « 1 » ، يدافع فيها المسلمون ضدّ ظُلم قريش لصالح حقهم في أموالهم وأراضيهم وعودتهم إلى ديارهم ، فهل يقال : إن حروب الفرنسيين ضدّ الاحتلال الألماني في الحرب العالمية الثانية كانت ابتدائيةً ، حتى لو انطلق المحارب من خارج أراضي بلاده التي طُرد منها ليدير المعركة ضدّ المحتلّ ؟ ! وآيات القرآن واضحة الدلالة على الموضوع . والغريب أن بعض المعاصرين التفت إلى موضوع غزوة بدر لكنه أصرّ على أنّ الوضع الفعلي حال الحرب هو الذي يحدّد
هامش
( 1 ) يشكّك ابن قرناس في صحّة الحادثة المروية في التاريخ الإسلامي عن هجوم المسلمين على قافلة المشركين ، الأمر الذي تسبّب بحرب بدر ، ويقول بأنّ قريشاً كان لها رحلتان : الأولى في الصيف إلى الشام ؛ والثانية في الشتاء إلى اليمن ، ومعركة بدر وقعت في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة ، وهو الموافق لشهر مارس / آذار من عام 624 م ، وهو تاريخ لا يتطابق مع تاريخ الرحلة المعهودة إلى الشام ، فانظر : ابن قرناس ، الحديث والقرآن : 119 - 120 .