من بدر إلى أحد إلى الأحزاب إلى غيرها من غزواته ومعاركه العسكرية ، فإذا كان قد كُلّف بمقاتلة الناس حتى يؤمنوا بالله ورسوله فأين طبّق النبيّ صلى الله عليه وآله هذا الأمر ؟ ! ولماذا خالفه ؟ ! « 1 » .
وهذا الانتقاد متوقف على إثبات دفاعية الحروب النبوية ، وهو ما سوف نبحثه - بعون الله تعالى - لاحقاً ، ولو تمّ ذلك بالإثبات التاريخي كما سوف يثبت ، ربما يمكن الخروج من هذا الإشكال - مع الغض عن الانتقاد الآتي الذي نتبنّاه - بأنّ الأمر هنا موجّه إلى جميع المسلمين ، فيكون عدم تطبيق النبي من باب انعدام فرص ذلك بالنسبة إليه شخصيّاً ، مع ثبوته بوصفه حكماً ، ما لم نثبت أنّ النبي كان يمكنه شنّ حروب ابتدائية تنفيذاً لهذا التكليف الشرعي ولكنّه - ودون مبرّر - لم يفعل ذلك ، وتفصيل الموضوع نأتي عليه قريباً في بحث الاستدلال بالتجربة النبوية ، إن شاء الله .
وبعبارة أخرى : إما نقبل بالانتقاد الخامس الآتي ، فيكون الانتقاد الرابع بمثابة نقد متني على أصل صدور الحديث ، أو نرفضه فلا يعود الانتقاد الرابع قوياً في نفسه .
الانتقاد الخامس : ما نرى أنّه الانتقاد الأصحّ الذي يمكن توجيهه على الاستدلال بهذا الحديث على الجهاد الابتدائي ، وهو أن نقول : إنّ تمام صيغ هذا الحديث ، رغم اختلافها في الزيادة والنقيصة وفي بعض الخصوصيات ، تشترك في جملة : « أمرت أن أقاتل » ، و « عصموا مني » أو ما هو بمعناها « 2 » ، وهذا معناه أنّ المأمور بهذا الحديث هو النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، وليس ما يفيد أنّ هذا الأمر الإلهي موجّه إلى عموم المسلمين في جميع الأعصار ، فلم تقل أيّة رواية : أمر المسلمون
هامش
( 1 ) ابن قرناس ، الحديث والقرآن : 119 - 123 ، نشر دار الجمل .
( 2 ) باستثناء ما جاء في كتاب الإيضاح : 46 ، المنسوب إلى الفضل بن شاذان ( 260 ه - ) ، بصيغة : أمرنا أن نقاتل ، وقد ورد الحديث هناك مرسلًا بلا سند .