فكيف يجتمع الإحسان مع الأمر بقتالهم ؟ ! « 1 » .
وهذه الملاحظة النقدية تتعلّق بمرحلة الجمع بين أدلّة نظرية شرعية الجهاد الدعوى وأدلّة عدم شرعية الجهاد الابتدائي ، لتمثل بعض أدلّة النظرية الثانية شكلًا من أشكال النقد المتني على مثل هذا الحديث النبوي المشهور ، ونحن هنا لسنا في معرض هذا الجمع والتقييم ، وإجراء مقارنات ومقاربات بين الأدلّة المختلفة ، وإنّما - كما قلنا مطلع البحث - بصدد رصد أدلّة الشرعية بما هي هي ، إلا إذا كانت بعض أدلّة عدم الشرعية تشكّل معيناً لفهم دليلٍ من أدلّة الشرعية هنا ، فلينتبه إلى هذا الأمر ، وإن كان أصل ملاحظة مغنية مقبولة في الجملة .
الانتقاد الثالث : إنّ هذا الحديث واضح في عموميّته ، فكيف يمكن التوفيق بينه وبين ما دلّ على رفع اليد عن مقاتلة أهل الكتاب مع دفعهم الجزية ؟ ! إذ هذا الحديث يفترض أن الحرب إنّما هي لإسلام الناس ، فيما النصوص الأخرى تخرج قسماً كبيراً من البشر ، هم : اليهود ، والنصارى ، والمجوس ، عن هذا القانون ، ففي صيغة من هذا النوع ينبغي ذكر هذا التفصيل ، ولا يصحّ تجاهله إلى دالّ آخر .
وقد يجاب عن ذلك من وجوه :
أ - ادّعاء نسخ هذا الحديث بآية الجزية في إطار أهل الكتاب .
ب - ادّعاء التخصيص ، بأن يكون عاماً خصّصته أدلّة أخذ الجزية من أهل الكتاب ، بناءً على التمييز بين التخصيص والنسخ الذي من هذا النوع .
ج - أن يراد بالشهادتين المذكورتين في الحديث إعلاء كلمة الله ؛ إما عبر قتل الطرف الآخر ؛ أو إسلامه ؛ أو إخضاعه .
هامش
( 1 ) راجع : محمد جواد مغنية ، هذي هي الوهابية : 82 - 83 .