تفترض هجوماً مسبقاً من الطرف الثاني ، بل بمعنى أنها تفترض مشاركة منه في ردّ الفعل ، دون إشارة إلى طبيعة ردّة الفعل بالدقة ، وأنه ابتدائي أو دفاعي ، فهذا هو المعنى اللغوي والعرفي للكلمة عند التأمل فيها ، وفي الفرق بينها وبين « قتل » ، لا ما ذكره المستشكل هنا من التمييز بين الابتدائية والدفاعية .
الملاحظة الثالثة : لو كان ما ذكره ابن حجر ، والبوطي ، وغيرهما ، هنا صحيحاً لواجهتنا بعض الاستخدامات اللغوية التي تستعصي على الحلّ ، ونحن نذكر نماذج ، ولا نستوعب الأمثلة ، وهذه النماذج هي :
النموذج الأوّل : قوله تعالى :
( وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ )
( البقرة : 191 ) ، فلو كانت المفاعلة هنا تقتضي افتراض الدفاعية في القتال للزم الدور أو التناقض ؛ إذ كيف تنهانا عن قتالهم إلى أن يبدأوا بقتالنا ، مع أنه لا يصدق قتالنا إلّا مع بدئهم سابقاً بالحرب ، ومع بدئهم لا يسمى قتالًا من قبلهم ؟
النموذج الثاني : قوله تعالى :
( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا )
( البقرة : 190 ) ، فهي تفترض - على التفسير المذكور للحديث - تناقضاً ؛ إذ إن كلمة « قاتل » في الموردين تفترض الدفاعية ، فكيف يمكن تصوّر توقف الدفاع منّا على الدفاع منهم ؟ !
النموذج الثالث : قوله تعالى :
( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا )
( الحج : 39 ) ، فهذه الآية تشرّع الجهاد ، وتفترض أن العدو يقاتل المسلمين ، فإذا كان مفهوم المقاتلة يستبطن الدفاع ، فمعنى ذلك أن المسلمين هم من بدأ مع أن الآية هي التي ترخص بالبدء بعد نزولها .
النموذج الرابع : قوله تعالى :
( وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً )