بعض الروايات تؤكّد مقولة النسخ هنا في الجملة ، وسنبحثها فيما بعد بإذن الله .
4 - إن بعض آيات المجموعات الأخرى تأبى النسخ ولا تحتمله في حدّ ذاتها ؛ فقوله تعالى :
( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )
( البقرة : 190 ) لا تحتمل النسخ ، فهي تعتبر - بحسب هذا التفسير - أن مقاتلة من لم يقاتلنا اعتداء ، والاعتداء منبوذ ، فهو ظلم ، فكيف تأتي الآيات اللاحقة لنسخ هذا الحكم ؟ فهل تريد أن تجيز الظلم والاعتداء ؟ ! « 1 » ، بل هذا التعبير موجود في بعض الآيات التي استدلّ بها هنا ، كآية القتال حتى لا تكون فتنة ، إذ ورد في ذيلها النهي عن العدوان إذا انتهى ؛ لأن العدوان لا يكون إلا على الظالمين ، كما فهم ذلك سيد سابق في فقه السنة ، رغم توسعته مفهوم الدفاع لمن منع تبليغ الدين « 2 » .
وهذه الملاحظة التي ذكرها الزحيلي قد يسجل عليها أن القرآن ألغى اعتبار هذا الفعل ظلماً وقبيحاً في مرحلة لاحقة ، أي أنه سلب عنه هذا الوصف . وهذه الملاحظة قد تتم بناء على نظرية التحسين والتقبيح الشرعيين لكنها لا تتم بناءً على التحسين والتقبيح العقليين ، إلا إذا قيل : إن تغيّر الظروف جعل مهاجمة غير المقاتل غير عدواني ، بحيث كان عدوانياً ثم ألغي هذا الوصف منه ؛ لأن المقاتلة ليست قبيحاً ذاتياً وإنّما فيها اقتضاء القبح عندما تكتمل ظروف ذلك .
البحث القرآني ، ملاحظات واستنتاجات
الذي يبدو من مجمل ما أسلفنا الإشارة إليه أن القرآن الكريم لم يطرح - بوضوح - شيئاً اسمه الجهاد الابتدائي الدعوى بالتفسير الذي عرفه الفقه الإسلامي ، ولا
هامش
( 1 ) وهبة الزحيلي ، آثار الحرب في الفقه الإسلامي : 110 - 111 .
( 2 ) سيد سابق ، فقه السنّة 2 : 613 - 614 .