2 - ونتيجة لغياب الرصد التاريخي السياقي عند بعضهم ، جرى فهم النصوص التي تتحدّث عن صفات المشركين والكافرين على أنها قضايا حقيقية ، لا خارجية ، فكأنها تخبرنا أن المشركين لا عهد لهم إلى يوم القيامة ، أو تنبؤنا أنهم سيخونون إلى يوم القيامة ، مع أنّ الرصد التاريخي يؤكد أن هذه النصوص كانت في الغالب ناظرة إلى الواقع التاريخي السائد آنذاك ، والأحداث المتتالية التي وقعت ، لكن لا بمعنى تلاشي الآيات لأجل زوال تلكم الأقوام ، بل بمعنى أن الأوصاف الخارجية التي طرحتها الآيات كان لها تأثيرات في الأحكام التي شهدتها سورة براءة بالخصوص ، وهذه نقطة مهمة .
3 - قراءة أكثر معقولية لظاهرة النسخ في القرآن ؛ فالطريقة التي تعاطى بها بعض المفسّرين والفقهاء جعلت من آية أو بضع آيات قليلة ناسخة لأكثر من مائة آية ؛ وهذا أمر يستحق أن نقف عنده ؛ فبدل أن تؤخذ النصوص السابقة الكثيرة على أنها تحوّلت لمفاهيم راسخة في الوعي ، ولهذا لم تحتج الآيات اللاحقة لإعادة تكرار بعض المفردات ، خصوصاً مع نزولها أواخر العهد النبوي ، وهذا شيء منطقي وطبيعي يعمل به الناس في بياناتهم القانونية ، وتستخدمه البنود القانونية والدستورية في العالم . . بدل ذلك أطيح بحوالي خُمس آيات الأحكام ، أي خمس الفقه القرآني كما هو المشهور في عدد آياته ، لصالح ما لا يزيد عن أربع أو خمس آيات ليست كلّها واضحة الدلالة ، وحصل اضطراب غير عادي في هذا الأمر يلاحظه كل من راجع كتب تفاسير المسلمين .
أيّهما هو الأصحّ منطقياً : افتراض النسخ بهذه الطريقة أم افتراض ما نسمّيه الاستبطان ؟ أي أن آيةً ما تستبطن مفهوماً لا تذكره اعتماداً على جهود آيات أخَر قامت بتركيزه ؛ وهذا شيء طبيعي يضاف إليه نظام الإطلاق والتقييد .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 118
مساهمون: حيدر حب الله
ص١١٨