مثل سورة التوبة تريد فعلًا الشروع بمرحلة جديدة ، وأن فيها دلالة على ذلك ، الأمر الذي وجدنا أنه غير واضح من خلال دراسة تركيبية الآيات وسياقها ومناخها ، علماً أننا استعرضنا تفصيلات كثيرة تتصل بنصوص الصلح والهدنة لدى دراستنا هذا الموضوع في دراسة أخرى .
من هنا ، يلاحظ على ما ذكره بعضهم من عدم وجود دليل على تخصيص الآيات المطلقة هنا ، والتي هي الآيات المتأخرة نزولًا ؛ إذ لا دليل عليه ، كما أن التخصيص في قوّة النسخ ، وإذا أخضعناه لنظام الناسخ والمنسوخ لزم أن يكون الناسخ - أي المخصّص هنا - متأخراً زماناً عن المنسوخ ، والحال أن المنسوخ - الذي هو آيات سورة براءة - هو المتأخر زمنياً عن الناسخ ؛ فمعيار النسخ والتخصيص لا ينطبق هنا ، حتى أن آيات الصلح والمهادنة لا نسخ بينها وبين آيات سورة براءة لاختلاف حالتهما وموضوعهما ونطاقهما « 1 » .
وقد استنتجنا مما أسلفنا في تحليل الآيات نقد هذه التصوّرات وذلك :
1 - إنّ مفهوم - بل منطوق - جملة من آيات الدفاع يصلح لتقييد إطلاقات أدلة مثل سورة براءة ، كما أسلفنا .
2 - إنّ نظام التخصيص وإن كان شكلًا من أشكال النسخ وفقاً لبعض النظريات في أصول الفقه الإسلامي ، لكنّ شرط التأخر لا يؤخذ فيه إطلاقاً ؛ لأن النسخ بالتخصيص كما يمكن أن يكون بعد ولادة المطلق والعام ، كذلك قد يولد المطلق والعام مقيّدين بمفاد النصّ المخصّص السابق زمناً عليهما ؛ فإذا جاء نصٌّ يحرّم أكل غير السمك في البحر ، ثم جاء يجيز الأكل بصيغة الإطلاق مثل : « لك أن تأكل ما في البحر » ، فهنا كما يحتمل أن يكون المطلق قد ألغى الخاص بنظام النسخ ،
هامش
( 1 ) انظر : الشيخ عبد الله بن عبد الله الزايد ، فيما ينقله عنه صالح اللحيدان في كتاب : الجهاد في الإسلام بين الطلب والدفاع : 103 - 108 .