حتى بتفسيرات بعض الإسلاميين المحدثين الذين تأوّلوا في هذا الموضوع . والنصوص التي اعتمد عليها ليست بهذه الدرجة من الوضوح لتأسيس ما نراه أهم مبدأ دستوري في العلاقات الخارجية ، والمشكلة الأساس هنا أنه درست النصوص - عند بعضهم - دراسة خالية من :
1 - الرصد التاريخي المحيط بنزول النصوص ، فآيات مطلع سورة براءة جاءت في سياق اعتداء ضدّ المسلمين وسلسلة خيانات عرفها المسلمون كان آخرها نقض صلح الحديبية بالاعتداء على خزاعة ، وهذا السياق التاريخي الواضح لا يمكن فصله عن الشدّة التي تريدها الآيات ، بل هي نفسها صرّحت بخرقهم العهود ، وترصّدهم وكيدهم ، فمثل هؤلاء لا مجال بعد هذه الفرص للوثوق بهم والعمل باتفاقات معهم ؛ إذ طفح الكيل من اعتداءاتهم ، وهذا المنطق التصاعدي - بهذا المعنى - وجدناه أيضاً في سياسة الرسول صلى الله عليه وآله مع يهود المدينة ، حتى وصل الأمر إلى ما وصل إليه مع بني قريظة ؛ إذ جرّب النبي - وقد بحثنا هذا الموضوع مفصلًا في دراسة أخرى - سياسة الطرد من المدينة ، لكنه لم يجد معها سوى المؤامرة ، كما فعل حيي بن أخطب وبنو النضير بعد طردهم إلى خيبر وإلى شمال المدينة المنوّرة .
كان من الطبيعي للمناخ التصاعدي لتأزم الأوضاع وتتالي الاعتداءات وخرق الاتفاقات أن يصدر قرارٌ حاسم ، حتى لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ؛ فهذا هو المنطق العقلاني ، لكنّ بعض الباحثين في الفقه الإسلامي ترك السياقات التاريخية جميعها - وما أكثر نسيان التاريخ في بعض الدراسات - ونظر للنصّ بطريقة مجتزءة ، فكان أن فهم الجهاد الدعوى ؛ فيما الآيات إنما استثنت إسلامهم لا لكون الجهاد غرضه الإسلام ؛ بل لأن هؤلاء لا وقف للحرب معهم ؛ لأن المعاهدة لم تعد مجدية مع مثلهم بعد التجربة .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 117
مساهمون: حيدر حب الله
ص١١٧