تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حوارات ولقاءات في الفكر الديني المعاصر — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
وتوجيهاته ، بخلاف الحقوق في المنظومة الوضعيّة ، فهي تنطلق من الأنا والذات الفردية المطالبة بمصالحها ، وعبر تخاصم المصالح وكسرها وانكسارها تقع العدالة ، ولذلك فلغة الدين الحقوقية هي لغة تريد إبراز الطرف الثالث ( الله ) وتكريس الطاعة له في الوقت نفسه الذي تمنح صاحب الحقّ حقّه . بهذه الطريقة يتجلّى مظهرٌ آخر لتوحيد الله ، فإعطاء صاحب الحقّ حقّه متفرّع على مفهوم طاعة الله سبحانه ، لا فقط على مفهوم طاعة الإنسان ، سواء كان فرداً أم جماعةً أم دولة . أعتقد أنّ هذا المفهوم مهم جداً ، ولهذا تغيب اللغة الحقوقيّة في النصوص الدينية ؛ لأنّ الهيمنة هي لله وحقوقه لا للإنسان ، ولأنّ هذا هو مقتصى الإسلام والتسليم والتوحيد . لاحظوا كيف أنّ الكافر المسالم لنا قال عنه الله تبارك وتعالى :
( . . فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا )
( النساء : 90 ) ، أي أنّ الكافر المسالم إنّما امتلك حقّ الحياة والأمن والاستقرار والحريّة بعدم جعل الله السبيل للمسلم عليه ، فالله هنا طرفٌ أصيل ، وأيّ غياب لهذا الطرف لصالح مرجعيّة الإنسان ومحوريّته قد يفضي إلى ثقافة علمانيّة تعزل الدين عن الإنسان وحياته .