تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حوارات ولقاءات في الفكر الديني المعاصر — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
وبناءً عليه ، يمكنني الجواب عن سؤالكم ، وذلك أنّ الشريعة وإن اعترفت بالحقوق ضمناً من خلال قانون التلازم بين الحقّ والواجب في جملة من الموارد ، لكنّها في لغتها وبنيتها ومصدرها لم تقم منظومة الحياة على الحقوق بالمعنى المعاصر للكلمة ، بقدر ما أقامتها على علاقة طاعة مع المقدّس المتعالي تقع تجاه إنسانٍ آخر منحه الله سبحانه هذا الحقّ أو ذاك أو أقرّ له بحقوق طبيعية . الطرف الثالث هنا ( الله ) لا يمكن إغفاله ، فنحن لسنا لوحدنا حتى نتكلّم عن حقوق تجاه بعضنا ، بل نحن معاً أمام الله وأوامره في المنظومة الدينية ، فعندما أعطيك حقّك فإنّ هذا الإعطاء ليس سوى التزام بالطاعة للطرف الثالث ( الله ) ، أي هو منح حقٍّ لشخص من خلال إلزام شخص آخر ( الله ) ؛ لأنّ من له الحقّ ومن عليه الحقّ متساويان أمام الله سبحانه . وينجم عن ذلك مفهومٌ ديني مهم جداً ، وهو أنّ صاحب الحقّ عندما يطالب بحقّه أو يتنازل عنه ، فهو يأخذ بعين الاعتبار توجيهات الطرف الثالث ( الله ) ، فعلاقته بحقوقه محكومة لعلاقته التوجيهيّة بالله ( الطاعة ) ، تماماً كما أنّ علاقة من عليه الحقّ بصاحب الحقّ هي علاقة موجّهة من الطرف الثالث ( الله ) ، وبهذا لا تولد منظومة الحقوق في الشريعة الدينية منفصلةً عن الله وطاعته