وثمّة سبب آخر لضعف التواصل ، موجود على بعض الأصعدة ، وهو يرجع إلى تفكيرنا الطوباوي الدوغمائي المتعالي ، فكلّ فريق يحاول أن يوحي لنفسه أنّ علاقته بالآخر هي علاقة تصدير فكري إليه ، وليس استيراد فكره للاستفادة منه ، هو شعور بالغرور لو فكّكناه جيداً .
لقد قلتُ للكثير من الأصدقاء الإيرانيين : إنّكم دائماً فكّرتم في ترجمة نتاجكم الفكري إلى العالم العربي ، وهذ شيء جيّد ومفيد للمسلمين عموماً ، وللعرب خاصّة ؛ فالمنجز الإيراني يستحقّ التقدير والإعجاب ، لكنّكم لم تنشطوا على صعيد الاستيراد الذي يحقّق التواصل الحقيقي المتساوي الطرفين . إنّ من المفروض أن تعيشوا عقليّة التعرّف على العالم العربي وما يزخر به من حوارات وجدالات فكرية هائلة ، كثيرٌ منها لم تخوضوه بعدُ أو خضتموه بدرجة أقلّ نضجاً من إخوانكم العرب . هذا الشعور قائم عند البعض ، ورأيته أيضاً عند بعض المثقّفين العرب ، في نظرته للعقل الإيراني من موقع الغنوصية والهرمسيّة والخرافة واللاعقلانيّة .
كما رأينا هذا المشهد نفسه في المعاهد العلمية التقليدية عند الفريقين ؛ فأنت تجد عبر التاريخ علماء الشريعة من كلّ مذهب لا يقيمون وزناً للطروحات والنظريات والاجتهادات الموجودة في
حوارات ولقاءات في الفكر الديني المعاصر — صفحة 356
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٥٦