والتعدّدية في عالمنا العربي ، هم في الحقيقة دعاة حرّيتهم الذاتية في مقابل الآخر القمعي ، لا دعاة حريّة الجميع في مقابل الجميع ، ولهذا عندما يمسكون بالسلطة في أيّ موقع كان ، يتحوّلون تلقائيّاً وفوراً إلى خصوم ألدّاء للتعدّديّة والمشاركة والحريّات ، مستخدمين نفس مقولات خصومهم السابقين ، وهذا يدلنا على أنّ هذه المقولات إنّما تمّ الانتماء إليها فكريّاً بوصفها محقّقةً لمصلحة ذاتية أو فئوية ، لا من موقع الإيمان العميق الشمولي بها .
وهناك مشكلة أخرى أيضاً ، وهي أنّ المؤسّسات الفكرية والثقافية الحقيقية - وليس الاسميّة - تحتاج لتمويل كبير ، وفي هذه الحال فإنّ هذا التمويل يأتي في الغالب إمّا من الدول أو من جهات خارجيّة أو من بعض الأفراد المتموّلين المخلصين في الساحة الإسلاميّة والعربية ، وإذا استبعدنا الحالة الثانية التي لها مشاكلها الخاصّة ، فإنّ التمويل الدولي له مخاطره التي لا تقلّ عن مخاطر المؤسّسات ذات الطابع الشخصاني المشار إليها آنفاً ؛ لأنّ الدولة في عالمنا العربي والإسلامي لم تصل بعدُ إلى مرحلة دعم المعرفة بصرف النظر عن الانتماء ، وفي كثير من الأحيان يخلق هذا الوضع مثقفاً مقاولًا كما رأينا في أكثر من مكان . وإذا كان المموّل جهة مدنية داخليّة فإنّها في كثير من الأحيان محكومة لمستوى معيّن من
حوارات ولقاءات في الفكر الديني المعاصر — صفحة 352
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٥٢