وهذه الملاحظة شكليّة ، تسجّل على الشافعي ؛ ذلك أن الشواهد التي أردف بها كلامه ، كانت تدور حول لزوم طاعة النبي واتّباع أمره ، وهذا مطلب آخر لإثبات حجية السنّة ، لا يفسّر لنا كلمة « الحكمة » التي نحن بصددها .
لكن المفترض في المستشكل ملاحقة التطوّرات الصياغية لاستدلال الشافعي لدى أنصار مدرسته ، وعدم الجمود على الصيغة القديمة للدليل ، والتي غالباً ما تكون ضعيفةً أو مصابةً بشيء من الضعف الجانبي ، وهذا ما لم يفعله هذا الباحث المعاصر مع الأسف .
وتشبه هذه المحاولة النقدية محاولةٌ أخرى ذكرها بعض المعاصرين ، وهي أنّ كلمة « الحكمة » لم ترد في اللغة بمعنى « السنّة » ، فكيف يمكن تفسيرها بها واللغة آبيةٌ عن ذلك ؟ ! « 1 » .
وذلك أن الشافعيّ وأنصاره ، لم يستندوا إلى أيّ تحليل لغوي للكلمة ، إذ ذلك تبسيطٌ للأمر ، وإنما استندوا - كما أشرنا - إلى الثنائية التي وضعتها الآيات ، مما يكشف عن وجود أمرٍ آخر يقدّمه لنا النبي غير القرآن ، وليس إلّا السنّة ، لا أن الحكمة لغةً تعني السنّة .
الإشكاليّة الثانية : إن مراجعة المصادر اللغوية تضع أمامنا معاني للحكمة مثل الإتقان ، ووضع الشيء في موضعه ، والفهم والعلم والمنع وما شابه ذلك ، ومعنى ذلك أن النبيّ يعلّم المسلمين ذلك ويرشدهم إليه .
قال الفراهيدي : « الحكمة : مرجعها إلى العدل والعلم والحلم . . وكلّ شيء منعته من الفساد فقد حكمته وأحكمته » « 2 » ، وقال الجوهري : « الحكمة من العلم ، والحكيم : العالم وصاحب الحكمة ، والحكيم المتقن للأمور . . وحكمة اللجام : ما أحاط بالحنك ، تقول
هامش
( 1 ) علي حب الله ، دراسات في فلسفة أصول الفقه : 594 .
( 2 ) الفراهيدي ، العين 3 : 66 - 67 .