ب - أو إلى مقولة العلم والمعرفة .
فإذا رجعت الحكمة إلى ما هو من شؤون ما ينبغي فعله أو ينبغي تركه ، فيكون دور النبي تدريب المسلمين على أن يغدو حكماء في أفعالهم ، وهذا المعنى لا يلازم حجية سنّته ، بل إن مراقبتهم ، وإرشادهم ، وتنبيههم دوماً إلى محاسن الأفعال ، وإتقانها ووضع الأمور موضعها وما جاء ذكره في القرآن يكون كافياً لتحصيل هذا الأمر ، فتعليم الحكمة على هذا المعنى مقولة تربوية ، تماماً كالتزكية ، لا تدلّنا من أين علمنا بأن هذا الفعل حكمة ، كما لا يدلّ على الحجية التعبدية لفعل النبي ؛ لأن المفروض أنه يعطينا الحكمة على نحو العلم ، لا على نحو التعبّد الذي نحن بصدده هنا ، ولعلّه مراد الفخر الرازي من تفسير الحكمة بالإصابة في القول والعمل « 1 » .
وأما إذا رجعت الحكمة إلى شؤون العلم والمعرفة ، فهذا ما ينسف الحجية التعبدية للسنّة أيضاً ؛ لأنّ المفروض أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعطيهم علماً ، أي يحصل لهم العلم ممّا قاله النبي ، وأين هذا من حجية سنّته تعبّداً ، فإن أحداً لا يناقش فيما يأتينا به النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يحصل لنا به العلم بالواقع ، إنما الكلام في أنه لو قال قولًا فهل نأخذ به تعبّداً حتى لو لم يكن لدينا علم من جهةٍ أخرى بأنّ ما قاله هو الواجب علينا شرعاً ، أو أنه لو قال قولًا يتكوّن برهان منطقي يقضي بالجزم بمطابقة قوله للواقع أم لا ، بمعزل عن نظرية العصمة ؟
الإشكاليّة الثالثة : إنّ الآية تفيد أن النبيّ يعلّم الحكمة ، لكنّها لا تدلّ على أن كلّ ما قاله هو حكمة ، كما لا تدلّنا كيف يعلّم الحكمة : بفعله أو قوله أو . . . ومعنى ذلك أن الآية لا تفيد أن كل سنّته هو حكمة بل كون بعضه حكمة صادق ، وبناءً عليه ، لا نحرز أن هذا البعض نأخذه منه على نحو التعبّد ، بل كثيرٌ مما يعطينا إياه يكون على نحو العلم ، فلا نستطيع الجزم بأن سنّته حجة حتى لو لم تُفد العلم ، ولعلّ هذا ما أراده الشيخ محمد
هامش
( 1 ) الفخر الرازي ، التفسير الكبير 4 : 66 - 67 .