تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
يقضي بمعاقبة النبي عند ادّعائه على الله تعالى كذباً ، فيكون ذلك بياناً لكبرى عامة وقاعدة كلية معلّلة لتأكيد الصغرى التي وقع السياق لصالحها . وهذا الجواب غير بعيد عن سياق الآيات المذكورة ، غير أنه إنما يفيد فيما إذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وادّعى أنه من عند الله تعالى ، لا فيما إذا سكت عن شيء أو فعل شيئاً أو أمر بشيء أو قال شيئاً ليست فيه أية إشارة إلى أنه ينقله عن الله تعالى ، والذي يؤكّد ذلك تعبير : « تقوّل علينا » أي قال قولًا نسبه إلينا ، ففي غير هذه الحالة لا يكون ما صدر عنه مشمولًا للآية الكريمة ، فيكون الاستدلال أخصّ بكثير من المدّعى ؛ لأن أكثر الأقوال والأفعال والإقرارات قد لا تحوي ظهوراً خاصاً في هذه النسبة ، وأوّل الكلام وجود ظهور عام في ذلك . نعم ، ثمة ملاحظة أخرى ترد هنا ، وهي أنّ صدق التقوّل على الله تعالى إنما يكون مع العمد لا مع الخطأ في التفسير والاجتهاد ، فعندما يقول النبي : سأحكم بينكم بكتاب الله ، ثم يصدر حكماً لا نراه موجوداً في الكتاب ، وفسّرنا مراده بالكتاب بأنّه القرآن الكريم ، أو ينسب أمراً إلى الله تعالى ويكون قد استقاه - في واقع الحال - من اجتهاده في النصّ القرآني ، ولا يكون اجتهاده مصيباً ، فهنا يحتمل عدم اندراج ذلك في التقوّل أو الكذب على الله تعالى ؛ لأنه من الممكن أن يكون اجتهد في تفسير القرآن بهذا المعنى دون أن يبدو لنا وجه اجتهاده ، أو اجتهد ولم يكن مصيباً ، وهذا لا يصحّ تقوّلًا ، وإلا لزم أن يكون اجتهاد المجتهدين قاطبةً تقوّلًا وافتراءً على الله في حالات الخطأ ، ومن الواضح عدم صحّة ذلك إطلاقاً ، لا عرفاً ولا على مستوى الذوق المتشرّعي . إذن ، فمفهوم التقوّل الثابت بدليل الكتاب لا يشمل هذه الصورة وأمثالها مما يظهر أو يحتمل احتمالًا عقلائياً أنه راجع إلى اجتهاد النبي في النص ، وكلّما استبعدنا هذا الاحتمال كلّما سرى دليل التقوّل ليثبت حجية السنّة التي تنسب أمراً إلى الله تعالى . وهذا كلّه يعني أنّ دليل عدم تقوّل النبي على الله تعالى إنما يثبت حجيّة السنّة بمعونة دليل العصمة في التبليغ ، وأنّه في تبليغ الأحكام - بالمعنى الذي يشمل تلقيّها وعرضها