وتخطّياً للمعطيات القرآنية التي تمّ الاستناد إليها في نفي حجية السنّة ، دخلنا في معطيات تجمع بين النصيّة والعقلانية ، فقد شاد أنصار رفض السنّة دليلًا أيديولوجياً جديداً هذه المرّة ، وهو أنّ تمييز المولى سبحانه وتعالى بين الكتاب والسنّة في الحفظ والرعاية ، دليلٌ على أنّ السنّة ليست مصدراً دينياً ، وإلا لشملها ما حظي به الكتاب الكريم من الحفظ الإلهي إلى يوم الدين ، وقد شرّحنا هذا الاستدلال وتوصّلنا إلى كونه غير مقنع إطلاقاً .
لكنّ الموضوع الأخطر على صعيد مستندات رفض الحجية كان المستند التاريخي ، وهو عدم تدوين السنّة ، فإنّ عدم تدوينها ، بل وحظر تدوينها ، شكّلا مستمسكاً قويّاً لنفاة الحجية ، وقد اضطرّنا ذلك لدراسة قضيّة التدوين من زاويتنا بما لا نخرج به عن نطاق بحثنا ، وعالجنا ما توفر من معطيات تاريخية ، حيث رأينا أنّه لم يثبت حظر نبوي يتعلّق بتدوين السنّة ، كما شكّكنا في وجود حظر من الخلفاء الأوائل في ذلك ، وفي التحديث أيضاً ، والذي رأيناه أنّ هناك مزاجاً كان موجوداً عند بعض الصحابة يميل إلى التشدّد في التحديث والتدوين لأسباب متعدّدة لا تنحصر بالضرورة بسبب واحد ، وليس على وقف التدوين أو التحديث . نعم لم تكن هناك مبالاة قويّة بتدوين السنّة كما كانت الحال مع الكتاب ، وقد عالجنا مبرّرات هذا الأمر ورأينا أنّه لا يرجع - بالضرورة - إلى عدم اعتقادهم بحجية السنّة النبويّة ، وإنّما إلى أسباب تاريخية وإمكانية تجعل قضيّة تدوين الحديث أمراً غير متوافر على نطاق واسع ، ولهذا تركت لنا تلك الحقبة بعض المدوّنات التي نعتقد أنّها تتناسب مع العقل العربي ومع الثقافة الشفوية التي كانت مسيطرة ، ومع حجم حضور الثقافة التدوينية في ذلك العصر .
وفي جولتنا على أدلّة نفي حجية السنّة ، بلغ بنا المطاف الدليل الرابع والأخير ، وهو نصوص السنّة النبوية نفسها التي تنفي حجية نفسها ، وقد رأينا أنّه يمكن حشد أربع مجموعات حديثية تصبّ في هذا الإطار ، لكنّنا بعد تحليلها وتفكيكها - صدورياً ودلالياً واعتبارياً - لم نجد أنّها من حيث الكم والنوعية والدلالة بالتي يمكنها توفير قناعة بنفي
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 746
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٤٦