ولكنه بعيد ؛ فإنه لو أراد الأحكام القضائية فهل يكون الحكم على الواحد إلا حكماً عليه ، فالحكم القضائي خاصّ بمورده ويأخذ طابع الجزئية لا الكلية ، فكيف يكون حكمه القضائي على زيد حكماً على سائر المسلمين ؟ ! إلا إذا قصد أن نهجه في القضاء يقبل التعميم لا الحكم الصادر في الأقضية المختلفة هنا وهناك .
الرواية الثالثة : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « فليبلغ الشاهد الغائب » « 1 » ، فإنّ هذه الرواية توحّد الحكم بين الشاهد والغائب ، الموجود والمعدوم ، فالمعدوم مندرج ضمن عنوان الغائب « 2 » .
لكنّ هذا التعبير الوارد ضمن عدّة نصوص إنّما يفيد - بحسب ظاهره - شمول الحكم للحاضرين وغيرهم ، ولا يُفهم منه عرفاً شموله لمن يأتي بعد سنين طويلة ، فهذا لا يعبّر عنه عرفاً بالغائب ، بل باللاحق ، قال تعالى :
( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ )
( الجمعة : 3 ) ، بل هذا ما يظهر من علماء أصول الفقه أنفسهم ، حيث ميّزوا - لدى تعرّضهم لنظرية اختصاص الخطاب بالمشافهين - بين الغائب والمعدوم ، فلا تقول العرب عادةً لمن لم يولد بعدُ : هو غائب ، إلا بعنايةٍ وقرينة ، فمثل هذا الشاهد يفيد قاعدة الاشتراك بمعنى الاشتراك بين الحاضر والغائب والسائل وغيره على أبعد تقدير .
حديث « حلال محمد » ، وقفة مع السند والدلالة
الرواية الرابعة : النبوي المشهور : « حلال محمد صلى الله عليه وآله وسلم حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة » ، فهو نصّ صريح في أنّ ما حلّله النبي - وليس فقط الله - أو حرّمه ، يبقى حلالًا إلى يوم القيامة ، فيتمسّك بإطلاق هذا الخبر ليصير قاعدةً إلا ما خرج بالدليل ، مثل خصائص النبي التي ذكرها المسلمون في كتب خاصّة وتعرّض لها
هامش
( 1 ) انظر - من باب المثال - : الكافي 1 : 187 ، 289 ، 403 ، و 8 : 344 ؛ والصدوق ، الخصال : 371 ؛ والحراني ، تحف العقول : 34 ؛ والطوسي ، الاستبصار 1 : 433 ؛ وتهذيب الأحكام 3 : 40 ، و 4 : 143 ، وغيرها كثير من مصادر الشيعة والسنّة ، فليراجع .
( 2 ) المراغي ، العناوين الفقهية 1 : 27 ، و 2 : 60 ؛ والبجنوردي ، القواعد الفقهية 2 : 60 .