كان مرجعاً ومدركاً لهم لاستنتاج هذه القاعدة ، مما جعلهم يتصوّرون أنها قاعدة شاملة إلا ما خرج بالدليل ، فهذا الإجماع ليس بحجّة ، وإن أفاد فإنه يفيد اليقين بوجود قسم من الدين لا بأس به يمثل أساسه ، ممتدٌّ في الزمان والمكان ؛ لأنّ هذا هو الذي يفي ببُعدي : الخاتمية والخلود ، حيث ليس هناك ملزم عقلي ولا شرعي ولا عقلائي - كي يكون الدين خاتماً وخالداً - أن تكون تمام نصوص نبي الإسلام أو حتى أغلبيّتها الساحقة متعاليةً على الزمان والمكان .
ثانياً : إنّ تعاطي الفقهاء مع الآيات والروايات من منظار عدم ملاحظة وجود فرق بين الأزمنة ، قد يكون منطلقاً من عدم حصول شك حقيقي لديهم في الامتداد الزمني والظرفي ، نظراً إلى عدم حصول تحوّلات هائلة في الاجتماع الإسلامي في تلك القرون ، مما يجعل حصول الاحتمال المرحلي ضعيفاً ، على خلاف المرحلة المتأخرة التي طرأت فيها مثل هذه الاحتمالات ، نظراً لفداحة تحوّلات بُنية الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بفارق مذهل ، يبرّر عروض حالة شك جادّ في الامتداد الزمني ، وليس لدينا ما يؤكّد أنّهم لو واجهوا مثل هذه التحوّلات لأصرّوا على هذا الفهم ، وتجربة الفقه في القرنين الأخيرين تدلّ على أنّ الفقهاء المسلمين - لا أقلّ بعضهم كما أشرنا سابقاً - أخذوا ينظرون برؤية تاريخية لجملة نصوص ، وانفتحت أمامهم هذه الصورة الجديدة ، حتى ذهب بعضهم - كالشهيد المطهري - إلى استخدام المنهج التاريخي في حلّ التعارض والاختلاف ما بين الأحاديث وغير ذلك « 1 » ، فمع هذه التجربة كيف يجري التأكّد من أنّ السابقين كانوا لو عرض لهم حال الشك والتحوّل لأصرّوا على القاعدة
هامش
( 1 ) انظر حول موضوع التاريخية والتحول والثبات التشريعي بشكل عام عند المطهري ، المجموعة الكاملة لأعمال الشهيد مطهري 21 : 31 - 51 ، 120 - 156 ، 162 - 163 ، 296 ، 303 - 305 ، 322 - 332 ، 456 - 458 ، 466 - 469 ، 487 .