إن النقطة المهمة التي ينبغي الالتفات إليها هنا هي أنّ القرون الثلاثة الأولى وإن حصلت فيها تحوّلات ، إلا أن نمط الحياة فيها ظلّ زراعياً ، ولم تحدث فيها حياة صناعية أو ما بعد صناعية ، ولم تشهد تحوّلًا جذرياً في مفهوم الدولة كالذي حصل في القرون الأخيرة ، ولم تشهد النمو السكاني ومظاهر الحداثة التي نشهدها اليوم . . . هذا الموضوع ينبغي أخذه بعين الاعتبار ، فالتحوّلات آنذاك تقع داخل إطار نظام حياة واحد ، لا تنقلًا بين نظم حياة متعدّدة إلا بقمدار يسير نسبياً .
الكلمة الرابعة : إن الجيل المعاصر للمعصوم يأخذ بالكلام انطلاقاً من معرفته بالقيود الملفوظة والملحوظة ، وعندما ينقل النص لا يذكر بعض القيود الارتكازية اعتماداً على حضورها في الذهن الجماعي كما قلنا سابقاً ، وبمرور عدّة أجيال وزوال القرائن اللبية والارتكازية المتصلة وبقاء الجسم الملفوظ والمدوّن للنصوص ، يمكن أن يعمل اللاحقون هنا بها انطلاقاً من تصوّر إطلاق فيها حيث لا قيد ، وهذا معناه أنّ ارتكازهم سيكون مدركياً معتمداً على تصوّر الإطلاق في النصوص ، فلا يكون لسيرة المتشرعة قيمة حينئذ ؛ إذ لا فرق في سقوط الاعتبار بالمدركية أو احتمالها بين الإجماع والشهرة وسيرة المتشرّعة ، ومعه فيرجع إلى الإطلاقات نفسها بلا توسّط السيرة . وقد بحثناها وعلّقنا عليها فيما تقدّم .
وتزداد ظاهرة تهاوي القرائن الحافة كلّما انتقلت ظاهرة النقل من الشفاهية إلى التدوينية .
3 - 2 - 5 - تكريس لا تاريخية نصّ السنّة عبر مرجعية الكتاب والسنّة
الدليل الخامس : التمسّك بمثل ما دلّ من النصوص على تقويم أخبار الآحاد طبقاً للقرآن والسنّة النبوية ، فكلّ خبر وافق كتاب الله وسنّة رسوله أخذ به وكلّ ما خالفهما طرح ، وهذا ما يشكلّ دليلًا على استمرارية السنّة وعدم تاريخيّتها وولائيّتها ، وإلا فكيف جُعلت معياراً لوزن أحاديث أهل البيت عليهم السلام التي استمرّت إلى ثلاثة قرون تقريباً بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟